in

تعرّف على هذه الأواني المزخرفة والغريبة، والمصممة خصيصاً لحفظ ديدان العلق!

leech jars

في أوائل القرن الحادي والعشرين، كان المؤرخ الصيدلي (دبليو. إيه. جاكسون) بحاجة ماسة إلى مكانٍ يضع فيه العلقات، تلك حياة المؤرخ الصيدلي على ما يبدو… لذا اختار الرجل أخيراً إناءً مغطى بالشاش. في الصباح التالي، اكتشف (جاكسون)، والذي عمل سابقاً أمين متحف مدرسة مانشستر الطبية، أن 3 علقاتٍ وجدت طريقها خارج الإناء المغطى بالشاش واختفت تماماً. عثر الرجل على علقتين في غرفة الطعام، لكن الثالثة بقيت ضائعة حتى وجدها (جاكسون) بعد أسبوعين عن طريق المصادفة، ووجدها ترقد على منضدة البيانو، ولاحظ أيضاً أنها لا تزال على قيد الحياة بطريقة غريبة وعجيبة!

أدرك (جاكسون) أن ما يحتاجه هو إناءٌ مناسب لحفظ العلقات. فعلى عكس المنتجات الصيدلانية الأخرى، تستطيع العلقات الهرب بسهولة. لذا، بالعودة إلى الصيادلة في القرن الثامن عشر، نجد أنهم ابتكروا أوانٍ خاصة لحفظ العلقات داخلها وإبقائها على قيد الحياة.

استخدم البشر العلقات في عملية الحجامة الطبية أو فصد الدم لأكثر من 2500 عام، وشهد القرن التاسع عشر ما يُعرف بـ «هوس العلقات»، والذي اجتاح أوروبا وأمريكا. بدأت تلك القصة في فرنسا، حيث تكلّم الضابط العسكري الطبي (فرانسوا جوزيف فيكتور بروسي) بحماسٍ شديد عن الآثار الشفائية لفصد الدم، وبالتالي انتشرت موضة استخدام العلقات من تلك الحادثة.

اعتقد الناس أن بإمكان العلقات شفاء جميع الأمراض، من الصداع وحتى الهوس، وأصبح الطلب على العلقات شديداً. ففي فرنسا لوحدها، استخدم الأطباء أكثر من مليار علقة في السنة لأسباب طبية، ونُقلت أعداد ضخمة من العلقات –من 50 مليون وحتى 100 مليون علقة –عبر أوروبا كل سنة. بالتالي، تعرّضت العلقات في أوروبا إلى الانقراض تقريباً بسبب الطلب الجشع عليها.

إناء لحفظ العلقات
إناء إنجليزي لحفظ العلقات يعود للفترة بين عامي 1831 و1859. صورة: Wellcome Collection

ومع انتشار هذه الممارسة كالنار في الهشيم، لا بدّ من الاستفادة منها لأسباب تجارية. لذا انتشرت في أوروبا وأمريكا أوانٍ للعلقات بتصاميم راقية وملفتة للانتباه، وأصبحت أثاثاً يفاخر الصيادلة بعرضه. كانت تلك الأواني السيراميكية المصنعة على طراز الروكوكو الفني تُطلى باليد، وتزيّن برسومات فاخرة لا تعكس أبداً ما تحتويه بداخلها.

من وجهة نظر حديثة، من المفترض أن تكون الصيدلية صحية ونظيفة وجيدة الإضاءة، بالتالي لا نجد أي فائدة لأواني العلقات تلك. لكن الصيادلة الأمريكان لم يكونوا كذلك، بل تأخروا كثيراً عن نظرائهم الأوروبيين من ناحية الخبرة والتكنولوجيا.

لذا، في سعيهم وراء لفت انتباه واحترام الأوروبيين، حاول الصيادلة الأمريكيون التميّز بأنفسهم عن المعالجين التقليديين، أو أولئك الذين يدعون العلاج بطرق غريبة وعجيبة، وفقاً لما كتبه (جريغوري جاي. هيغبي). في عام 1852، نشأت في أمريكا «جمعية الصيادلة الأمريكيين»، وأسست بذلك لمبدأ المهنية في ممارسة الصيدلة في أمريكا، ووضعت معايير معينة كي يلتزم بها ممارسوا تلك المهنة. وبدأت الصيدليات بالإعلان عن التراخيص ومعايير النظافة. وحاول الصيادلة وضع واجهات على صيدلياتهم كي تجذب الانتباه والإعجاب. حيث قالت (دايان وينت)، وهي مساعدة أمين متحف الطب والعلوم في معهد سميثسونيان: ”تزامن انتشار هوس العلقات مع ازدهار الصيدلة المهنية والمحترفة وانتشار أساليب الإعلان الضخمة، عملت كل تلك الظروف معاً كي تخلق أواني العلقات المزخرفة تلك“.

إناء لحفظ العلقات
إناء للعلقات من تصنيع شركة (ألكوك).

ولإقناع المارة بمدى جودة العقاقير الطبية والعلاجات الأخرى، ملأ الصيادلة نوافذ صيدلياتهم بمجموعات متطابقة من الأواني السيراميكية المزخرفة، والتي احتوت بداخلها أشياء كالتمر والعسل. لكن أبرز إناء كان هو إناء العلقات، والذي يوضع في أوضح مكانٍ في الصيدلية. وكان الإناء دليلاً على نوعية تلك الصيدلية، فكلما كان مزخرفاً، كانت الصيدلية أرقى وأرفع مكانةً.

من الخارج، تبدو أواني العلقات الصيدلانية مثل أي إناء مزخرف قد يوجد في أي منزل، لكن هناك تفصيلان معينان يميزانها عن الأواني العادية: أولاً، تملك تلك الأواني ثقوباً مركبة لإمرار الهواء. وثانياً، يُكتب على تلك الأواني كلمة «علقات» أو «LEECHES»، وبالأحرف الكبيرة طبعاً. صُنعت تلك الأواني بكميات هائلة في بريطانيا، وذلك وفقاً لـ (رايتشل أندرسون) –وهي مساعدة أمين متحف سميثسونيان. كانت أكثر الأواني زخرفة وتزييناً تصنع في ستافوردشاير في انجلترا على يد شركة «صامويل ألكوك آند كو»، وتلك الأواني الفاخرة التي تصنعها الشركة مرغوبة جداً من طرف جامعي التحف حديثاً. كانت أواني «ألكوك» هائلة الحجم، وتجاوز ارتفاع الكثير منها ستين سنتمتراً. أقلبت الصيدليات في القارتين الأوروبية والأمريكية الشمالية على شراء تلك الأواني، لكنها كانت أكثر مبيعاً في أمريكا، حيث حاول الصيادلة دائماً التباهي بما يملكون، وإثبات جدارتهم ربما.

كانت تلك الأواني الفاخرة والعملاقة تخلوا يومياً من العلقات، حيث أوضحت (أندرسون) أن تلك العبوات لم تحفظ العلقات بداخلها لفترة طويلة. لذا اضطر الصيادلة إلى إبقاء مخزونهم من العلقات في خزانات كبيرة، أو في أوانٍ مغلقة ومربوطة بمشابك معدنية. أما تلك الأواني الفاخرة، فكانت فقط للعرض.

إناء لحفظ العلقات
إناء انجليزي صيدلاني يعود للفترة بين عامي 1830 و1870. صورة: Wellcome Collection

داخل تلك الأواني المهواة، كانت العلقات بحاجة دائمة إلى العناية الشديدة، وفقاً لما أورده (جاكسون). فعلى الصيدلاني مثلاً تغيير المياه داخل الإناء كل يومين في الصيف، ومرتين في الأسبوع في الشتاء، وعليه طبعاً أن يبقي الإناء بعيداً عن أشعة الشمس. على الصيدلاني أيضاً تحريك العلقات داخل الإناء، إما باستخدام مكنسة أو، في الحالات الصعبة، باستخدام اليدين. أوصى الصيادلة أيضاً بوضع طبقة من الطحالب أو الحصى أسفل الإناء كي يساعدوا الديدان الحلقية في طقسها الأسبوعي المتمثل بنزع قشرتها اللزجة.

وإن حافظ الصيدلاني على الإناء بحالة جيدة، فقد تصل سعة بعض الأواني إلى 7 لترات ونصف! والأغرب من ذلك، أنها تتسع لنحو 250 علقة عندما يُملأ ثلثها فقط بالماء! أما كيف أخرج الصيادلة تلك العلقات من الإناء، فهذا سرٌ عجيب. حيث تقول (أندرسون): ”لم نعثر على أية أداة يُمكن أن تُستعمل ملقطاً للعلقات“.

إناء لحفظ العلقات
صورة: Medical Museum

تتطلب الأواني الفاخرة علقات فاخرة، والتي تُعتبر ضرورية لسكان انجلترا في العصر الفيكتوري كي يحافظوا على صحتهم. فحسبما اتضح، ليست جميع العلقات الطبية مشابهة لبعضها. فالعلقات الأمريكية، كتلك الموجودة في المسيسيبي أو بنسلفانيا، لم يكن استخدامها رائجاً، فلم تمتص العلقات الدم إلا إذا أثارتها رائحته، ولم تستطع سوى امتصاص 30 مل لتر من الدم، وذلك وفقاً لما جاء في وثيقة من عام 1881 عن زراعة العلقات، والتي نُشرت في مجلة «الأمريكي العلمي». أما تلك العلقات المستوردة من السويد أو ألمانيا، فكانت قمة الفخامة والرقي: كانت تلك العلقات قادرة على امتصاص 60 مل لتر من الدم تقريباً، وكانت شرهة جداً لدرجة أنه لا حاجة لوضع طعمٍ كي تعض الجلد. في أواخر العقد الأول من القرن التاسع عشر، بيُعت 100 علقة سويدية مقابل 5 دولارات –أي ما يُعادل 100 دولار اليوم.

رسم يصوّر عملية فصد الدم
رسم يصوّر (بروسي) وهو يلقّن الممرضة التعليمات اللازمة لإجراء عملية فصد الدم باستخدام العلقات. صورة: Wikimedia Commons

في فصلي الربيع والخريف (وهما موسما العلقات الجديدة)، كان الصيادون يعبرون المستنقعات ويغرسون العصا داخل الماء ليسحبوا العلقات من الرسابة الطينية. وبعد لحظات من اصطيادها، تتمسك العلقات بأرجل الصيادين، ثم تُقشر تلك العلقات. كان الصياد الماهر يجمع نحو 120 علقة في بضع ساعات فقط.

كانت عملية تعليق العلق سهلة، لكنها كانت تستهلك الكثير من الوقت. كان المسؤول عن العملية يجفف العلقات في كأسٍ من النبيذ، ثم يقلبها على المنطقة المستهدفة. وعندما تشرب العلقة النبيذ، ستسقط على الفور. تحتاج العلقات إلى عدة شهور كي تهضم وجبة الدم، لكن الطلب الهائل على العلقات دفع بالصيادلة إلى إعادة استخدام تلك العلقات في وقت الحاجة. حيث قالت (أندرسون): ”كان الصيادلة يجبرون العلقة على تقيء الدم بوضع الملح عليها“. وكما تتخيلون، كانت العلقات المعاد استخدامها خطراً بيئياً، وأورد الصيادلة حوادث عديدة نقلت فيها العلقات أمراضاً كالسفلس وحمى النفاس، وتلك التهاب يحدث عقب الولادة.

إناء لحفظ العلقات
صورة: Antique Medical Instruments

في منتصف القرن التاسع عشر، وفي ذروة هوس العلقات، حاول المخترعون تحسين أواني العلقات المزخرفة. أوضحت (أندرسون) بخصوص هذا الموضوع: ”وُجدت أحواض ومستنبتات للعلقات، وصُممت أوانٍ خاصة أكبر بكثير وقادرة على احتواء مئات ومئات العلقات، وكانت توضع على رفوف مثقوبة كي تتمكن العلقة من الاهتزاز حول الثقب وتنظيف نفسها“.

واجه الصيادلة وعامة الناس مشاكل كبيرة عند استخدام تلك العلقات. فقبل كل شيء، كان مظهر تلك العلقات مقرفاً ومثيراً للاشمئزاز، وخاصة بالنسبة للأشخاص الحساسين الذين واجهوا صعوبة في وضع هذا الكائن اللزج والبارد على جسدهم، خاصة أن تلك العلقات قد توضع داخل أو حول الفم. وفي تلك الحالة أيضاً، قد تزحف العلقات وتصل إلى تجاويف داخل الفم، ما يسبب حوادث خطيرة ومزعجة. أما المشكلة الثانية، فتمثلت بكون العلقات لا ترغب بعضّ المريض أحياناً، فقد يحاول المريض والصيدلاني جاهدين لجعل تلك العلقات تمتص الدم. وأخيراً، التكلفة الباهظة لامتلك ذاك العدد الهائل من العلقات.

لذا، سُخّرت تكنولوجيا القرن التاسع عشر لاستبدال العلقات الطبيعية بأخرى ميكانيكية تعمل بنفس الطريقة. ومن هنا جاء اختراع العلقات الصناعية، وهي عبارة عن أدوات معدنية تقلّد حركة فك العلقة وتملك شفرات حادة وصغيرة وشفاطاً يعمل على امتصاص الدم. ووفقاً لـ (أندرسون)، اختُرعت تلك العلقات الصناعية لنفس السبب الذي اختُرعت من أجله أواني العلقات: وهو جعل العملية بأكملها أقل شناعة.

اضمحل الهوس التداوي بالعلقات مع نهاية القرن العشرين، والأسباب لهذا الانحطاط كثيرة، أولها مثلاً هو الطلب الهائل وغير المنطقي عليها. ولاحقاً، نمت شكوكٌ بخصوص نجاعة تلك العملية، واكتُشف لاحقاً أن سحب كميات كبيرة من دم المريض ليس الطريقة الصحيحة لمعالجة جميع الأمراض. لكن في العقود اللاحقة، عادت تلك الممارسة إلى الانتشار، لكن بشكل أخف بالطبع. لكن على أي حال، تبقى تلك الأواني الفاخرة رمزاً جمالياً راقياً، ولا نعتقد أن أحداً يرفض عرضها في منزله مثلاً، ولكن بدون العلقات بالطبع.

جاري التحميل…

0