in

في الهند، يبدأ الأطفال الصغار في كتابة أكواد الكمبيوتر قبل أن يتمكنوا من التحدث

صورة: REUTERS/Alexandre Meneghini

لا يوجد شيء في العالم يمكن أن يقوم بإلهاء الطفل (ريشي شيف) عندما يكتب أكواد الكمبيوتر.. تظلّ عيون الطفل البالغ من العمر خمس سنوات مثبتة على الشاشة بينما ترقص أصابعه الصغيرة على لوحة المفاتيح، حيث يقوم بإسدال قائمة وفتح أخرى!

أوضح وهو جالس على مكتب والدته: ”هذه هي لعبة Flappy Bird“، ومكتب والدته هو ركنه المفضل في منزله في مدينة (بنغالورو) التي تقع جنوب غرب ولاية (كارناتاكا) وتعد ثالث أكبر مدينة هندية.

اللعبة جاهزة تقريباً.. هو فقط يضيف لونه المفضل الذي اختاره للخلفية، والذي سيطير فيه الطائر في النهاية. وبينما ينشغل (ريشي) في العثور على الكود البرمجي الصحيح؛ تخبرنا والدته (ريشيشواري شيف) عن الألعاب ورسومات الأنيمايشن التي عمل عليها خلال الأشهر الأربعة الماضية. حتى مع أن شهادتها مجروحة كونها والدته، ولكن قدرة الطفل على البرمجة تبدو رائعة. يقول (ريتشي) بكل حماس: ”لعبتي المفضّلة هي لعبة رمي الكرة، حيث أتنافس مع الكمبيوتر على ضرب الهدف“.

كان اهتمام (ريتشي) المبكر بالكمبيوتر والتكنولوجيا هو الذي جعل والداه يلحقانه في مدرسة Whitehat Jr، وهي شركة في (مومباي) توفر للأطفال برامج تعليمية في البرمجة، والآن يقضي الطفل حوالي ثلاث ساعات أسبوعياً في تعلم البرمجة.

يفتخر مدرب البرمجة في Whitehat Jr (أنشال رخي) بالتقدم الذي أحرزه، حيث يقول المدرب البالغ من العمر 29 عاماً، والذي حصل على شهادة في التصميم الغرافيكي: ”عندما ابتكر (ريشي) لعبة رمي الكرة؛ دُهشت لمعرفته كيفية استخدام المنطق لضبط سرعة الكرة بحيث تصل إلى الهدف“، ويتابع قائلا: ”يستخدم الأطفال في سنه الأكواد الجاهزة عادة، لكنهم في بعض الأحيان يصبحون مبدعين حقاً، و(ريشي) هو من بين أولئك الذين لديهم موهبة في البرمجة“.

انقر واسحب:

أصبح أطفال اليوم على دراية تامة بطريقة عمل الأجهزة الالكترونية. صورة: hanscom

في عصرنا الرقمي الحالي، يتعلم معظم الأطفال النقر والسحب على الشاشات الرقمية وكذا استخدام الفأرة قبل أن يتمكنوا من التحدث بشكل جيد أو حتى المشي، بينما تصبح الهواتف الذكية والألواح الإلكترونية هي ألعابهم. من الطبيعي إذاً أن يرغب الكثير من الآباء في أن يتعلم أطفالهم كيفية إنشاء التقنيات التي يعتمدون عليها في حياتهم.

تخدم هذه الاحتياجات في الهند عدداً كبيراً من مراكز التشفير والبرمجة في (بنغالورو) و(دلهي) و(مومباي) و(غوروغرام) و(شانديغار). تستخدم معظم هذه الأماكن مجموعة مشتركة من الأدوات والمنصات –مثل Code Studio أو LightBot أو Botley أو MIT’s Scratch– التي تم إنشاؤها للسوق الغربية حيث يعتبر تعليم الأطفال التشفير والتصميم والبرمجة صناعة مزدهرة بالفعل، والهدف من ذلك هو تنمية مهارات الطفل في تطوير مجموعة دقيقة من الإرشادات بلغة يفهمها الكمبيوتر.

قال (كاران باجاج)، الذي أسس (وايتهات جونيور) في عام 2018 في مومباي: ”قبل الثورة الصناعية، كانت أقل من 10٪ من المدارس تدرّس الرياضيات. وبعد هذه الثورة، درّست كل مدرسة الرياضيات لأنها كانت مركز الثورة. نحن الآن في منتصف ثورة الكمبيوتر، وهي نفس الظاهرة: تحتاج المدارس إلى إدراك أهمية التشفير والبرمجة كمهارة“.

يقول (رخي): ”في (وايتهات جونيور)، يتم تعليم الأطفال أولاً مصطلحات مثل الكود والأوامر والخوارزميات، ثم يتم الانتقال إلى كيفية تقسيم المهمة ’إلى أوامر متعددة يمكن للكمبيوتر فهمها‘، وهي أساسيات التشفير والبرمجة. لا يحتاج الأطفال إلى أن يكونوا بارعين في القراءة أو الكتابة للقيام بذلك، لأننا نستخدم القصص والصور لشرح المفاهيم“.

وقد أوضح (باجاج) المزيد من التفاصيل: ”حتى في سن الرابعة أو الخامسة، يتمتع الأطفال ببنية أساسية منطقية. لذلك، في فصولنا الدراسية، رأينا طفلاً عمره ست سنوات يقوم بإنشاء لعبة ’مسابقة تهجئة‘، بينما يقوم طفل يبلغ من العمر سبعة أو ثمانية أعوام بإنشاء صحن طائر من خلال رموز السحب والإفلات Drag-and-Drop Codes. نستخدم الترميز والأدوات القائمة على الكتلة، حيث يكون التركيز أكثر على المنطق من بناء الجملة، والذي يشبه القواعد في لغات الكمبيوتر“.

المعرفة الرقمية:

صورة: samsung.com

تصميم الألعاب والتطبيقات ليستا السبب الوحيد الذي يدفع الأطفال إلى تعلم لغات برمجة الكمبيوتر. هناك حاجة متزايدة لمحو الأمية الرقمية، وللأطفال الذين لديهم سهولة الوصول إلى التكنولوجيا، يوفر الترميز والبرمجة فرصة لتحسين المهارات المعرفية وتطوير التفكير الحاسوبي.

في (بنغالورو)، يدير (بهارات ديفيانغ)، وهو خريج المعهد الهندي للتكنولوجيا وأب لطفل عمره خمس سنوات، أكاديمية ZugZwang، أو ما يسميه صالة رياضات الدماغ، حيث دفعه حبه للشطرنج وإيمانه بفكرة الذكاء السائل –الذكاء السائل أو المنطق السائل هو القدرة على التفكير المنطقي وحل المشكلات في الظروف التصورية بمعزل عن المعرفة المكتسبة– إلى الجمع بين كليهما وتقديم دورات متعددة التخصصات في لعبة الشطرنج والترميز والبرمجة للأطفال من سن السابعة إلى الرابعة عشرة.

في أحد أيام الأسبوع العادية، كان (روهيت) البالغ من العمر 10 سنوات مشغولاً في حل تحدِّ في لغة البرمجة ”بايثون“، وكان الأصغر سناً في مجموعة تتألف من سبعة طلاب، ويبدو أنه وجد شغفه حيث قال: ”أحب أن أحل تحديات (بايثون). إذا كان المستوى سهلاً، يمكنني إكمال سبعة إلى ثمانية تحديات في اليوم، لكن في بعض الأحيان أتعثر ولا أتمكن سوى من إكمال واحد فقط. لا يستطيع أصدقائي القيام بذلك لأنهم لا يعلموننا هذه اللغة في فصل الكمبيوتر بالمدرسة. أريد أن أكون مهندس برامج عندما أكبر، وقد أذهب إلى بلد أجنبي لتحقيق ذلك“.

بعد ساعة، وصلت الدفعة الثانية. سلمت (أنانيا) البالغة من العمر ثمانية سنوات جهاز iPad مع إمكانية الوصول إلى برنامج Lightbot، وهي لعبة ألغاز تستند إلى الترميز. كانت مهمتها تحريك روبوت على الشاشة في اتجاهات متعددة عن طريق إعطاء أوامر للنظام، فكانت تنطّ بين مفاتيح التحكم برشاقة بينما يقرر دماغها ما يحتاجه الروبوت في حركته.

قالت (سريفاتسا سريناث): ”يحتك الأطفال الآن بالتكنولوجيا بمجرد ولادتهم، وأنا أفضّل أن يتعامل طفلي مع التكنولوجيا بفهم نقدي بدلاً من أن يصبح مستخدمًا سلبياً“، حيث التحق ابنها (هارشيل) البالغ من العمر أربع سنوات بصفوف تدريس الشطرنج في عام 2018 وصفوف الترميز والبرمجة هذا العام.

وقالت: ”لا نعتقد أن كل طفل يلتحق بهذه الأكاديميات سيصبح مهندس برمجيات في المستقبل، يمكن أن يكون فناناً أو طبيباً أو رساماً أو معلماً، لكن ما نعتقده هو أن التفكير بالتشفير والحساب سيساعدهم في التميز في أي شيء يفعلونه في عالم متصل رقمياً“.

يعتقد كل من الآباء والمعلمين أنه في بلد مثل الهند، حيث يعاني نظام التعليم من الافتقار إلى الابتكار والبنية التحتية اللازمة وكذا اعتماده على المناهج القديمة، يعد الترميز والبرمجة طريقة جيدة التنظيم لتعريف الأطفال بالتفكير المنطقي وحل المشكلات، وهذا يعدّهم أيضاً لسوق عمل تهيمن عليه علوم البيانات وعلوم الكمبيوتر.

التنشئة الشمولية

على صعيدٍ آخر، تعتقد (لاتها مادهوسودان)، مديرة مؤسسة (براكرد والدورف) للرياضيات في (بنغالورو)، والتي تروج لفكرة ”الذكاء الطبيعي“ و”التعليم الخالي من الإجهاد“، أننا لا نحتاج إلى المزيد من الآلات لتعليم أطفالنا كيفية التعامل مع الحياة.

وقالت (مادهوسودان): ”المنظور الداخلي للطفل مبني على تفاعلاته مع العالم الخارجي. تتطلب فزيولوجيا الطفل تنمية المهارات الحركية الدقيقة والإجمالية، ويحقق الطفل ذلك من خلال قضاء الوقت في اللعب واستخدام أطرافه للتحكم في نظام جسمه. تلك هي المهارات التي تُنمي الدماغ. إن إدخال التكنولوجيا في سن مبكرة على الطفل سيحرمه وسيضعف الفيزيولوجيا خاصته إلى الأبد“.

هناك بالفعل دليل على أن التكنولوجيا تعيد ترتيب عقولنا وتدخل بعض التغييرات على أجسامنا، حيث يعتقد النقاد أن تقلص الانتباه وزيادة مشاكل الصحة العقلية يتطلب تنشئة شمولية ومدروسة للأطفال، وبقدر ما يحتاجون إلى التكيف مع عالم متغير، فإنهم يستحقون فرصة ليعيشوا طفولتهم بشكل طبيعي كالأطفال!

تعلم والدة (ريشي)، وهي (ريشيشواري شيف) هذا الأمر وتعي جيدا ضرورة تحقيق التوازن المطلوب، وهي تقول بأن (ريشي) يشعر بالملل من كل شيء بسرعة كبيرة، كما يرغب دائماً في استكشاف ألعاب جديدة وأشياء جديدة على الكمبيوتر كل يوم، لكن من المؤكد أنه يتفاعل مع العالم الخارجي، وأن مدة بقائه أمام الشاشة لا تزيد عن ساعتين في اليوم، ويلعب مع أصدقائه بانتظام.

جاري التحميل…

0