in

الاستخدام الهام والعسكري للعملات الذهبية خلف خطوط العدو

جميعنا نعرف مدى أهمية الذهب كونه الرصيد الأهم لدى الدول وعصب الاقتصاد في زمن الأزمات والطوارئ، ولكن هنالك استخدام هام جدًا عند الدول أيضًا يلعب فيه الذهب (خاصة العملات الذهبية) دور مفصلي في عمليات وحدات النخبة العسكري، وهو ما يُشكله من رصيد مالي طارئ في حالات الحرب والصراع خلف خطوط العدو.

ورغم الاختلاف بين الضرورة الاقتصادية الخارجة عن الإرادة لتسخير الذهب عندما تنهار الاقتصادات، وكون الأفراد العسكريين الذين يعملون في مناطق العدو مهيأين عادة لأن يوجدوا في خطر، إلا أنه هناك أوجه تشابه، وفي كلتا الحالتين يأتي الذهب إلى الإنقاذ بتوفيره لحامله الاختيار والحرية الاقتصادية وربما النجاة. وبذلك قد يعني الذهب في كل من ظروف الانهيار الاقتصادي أو مناطق الحرب  الفرق بين الحياة والموت في بعض الأحيان.

ولكن لم هو بهذه الأهمية؟ بشكل أساسي، يعود ذلك لكون الذهب عملة عالمية يمكن استخدامها في أي زمان كما أنه مقبول في كل وقت. يرجع هذا بدوره إلى أن الذهب فقط هو الذي يتمتع بالاعتراف والطلب العالمي والقابلية على المساومة كما لا تملكه أي عملة ورقية.

إن رجال النخبة العسكرية في العالم يعرفون ذلك، ولهذا السبب يزودون قواتهم وطياريهم بعملات ذهبية ومصاغ ذهبي لاستخدامه كأموال طوارئ عندما تكون هذه القوات في مناطق العدو الذي ربما لن يمانع سكانه بتبديل الذهب مقابل حاجتك أو نجاتك.

من الهروب والتهرّب إلى ديّة الحياة

عدة الجنود الأمريكان للنجاة والمساومة
عدة الجنود الأمريكان للنجاة والمساومة

على سبيل المثال، في الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام، أصدر الجيش الأمريكي «عدة انقاذ الحياة» للطيارين والمظليين. تشتمل هذه العدة، مثلًا، على 1.08 أونصة تروي من الذهب عيار 10 قيراط وساعة يد من نوع Milus Snow Star، مع مصاغ ذهب يتكون من سلسلة ذهبية مكونة من أربع حلقات بطول 4.4 سم، وقلادة ذهبية منقوشة وخاتمان من الذهب.

وعلى نفس المنوال، أصدرت وزارة الدفاع البريطانية MoD «عملة الذهب الملكية» الشهيرة لقوات الخدمات الجوية الخاصة SAS وطياري سلاح الجو الملكي خلال الحرب العالمية الثانية كجزء من عدة نجاة «الهروب والتهرّب» المماثلة لتلك الأمريكية.

ومع ذلك، فإن إصدار عملات الذهب الملكية للقوات البريطانية ليس مجرد حدث تاريخي، فقد واصلت وزارة الدفاع هذا التقليد وصولًا لزمننا، حيث وزعت العملات على العسكريين في النزاعات المعاصرة خصيصًا لاستخدامها كأداة للمساومة أو لفتح منفذ للخروج من المشاكل في حال وقوعهم في أراضي قوات العدو. ربما تضح أهمية هذه العدة والعملية بشكل أكبر من خلال الروايات الشيقة والموثقة من على لسان المقاتلين الذين أصبحوا كُتّاب بعد مشاركتهم في حرب الخليج.

في الفترة التي سبقت حرب الخليج في عام 1991، أصدرت وزارة الدفاع البريطانية من بنك إنجلترا لكل فرد من قوات وطياري الخدمة الجوية الخاصة 20 قطعة ذهبية قام كل منهم بعد ذلك بخياطتها وإخفائها في ملابسه. بعد الحرب، أعيدت العملات المعدنية التي نجت بطريقة أو بأخرى، و وفقًا لوزارة الدفاع بلغ عدد هذه العملات 16,289 عملة مستعادة.

عملية جرانبي

عملة ذهب ملكية بريطانية إصدار 2017
عملة ذهب ملكية بريطانية إصدار 2017

في كتابه عن حرب الخليج الذي نُشر عام 2000، شرح ضابط قوات الخدمات الجوية الخاصة (بيتر رادكليف) العملية قائلًا:
”أصدر رقيب المدفوعات لكل رجل عشرين عملة ذهبية. كان القصد منها هو استعمالها كرشوة للمواطنين العراقيين أو العسكريين إذا دعت الحاجة إلى ذلك. بما أن القطع الذهبية عملة مقبولة دوليًا، فهي مفيدة للغاية و وسيلة يسيرة لحمل مبلغ كبير من المال“.

يُفصل (أندي ماكناب) من مُرتّبات SAS، في كتاب «حرب الخليج» المنشور في عام 1993، كيف تم استخدام العملات الذهبية في مثل هذه الحالة “عندما دعت الحاجة”:

”حول خصري حزام بعرض بوصة فيه حوالي 1700 جنيه إسترليني على شكل عشرين قطعة من الذهب حصل كل منّا على مثلها كوسيلة للهروب. لقد قمت بتثبيت عملاتي المعدنية على الحزام بشريط لاصق مما جعلها مرئية. وفي مرة من المرات كنت محاصرًا!

حينها أشار أحدهم إلى الحزام، وباللغة الإنجليزية قال ما هو هذا الذي لديك؟ قلت Gold. يجب أن تكون كلمة عالمية مثل الجينز أو البيبسي. أخرجت أول قطعة ذهب فابتهجوا، ثم بدأوا في تقسيمها فيما بينهم“.

(كريس رايان) جندي أخر معاصر لـ (ماكناب)، يرسم صورة مماثلة في كتابه الصادر عام 1995:

”عاد الرجل العجوز مع ماعزه و وقف ناظرًا إليّ. ثم، للحصول على بعض الأفضلية، أخرجت الذهب من حزامي وأظهرته له. بدأت أقول ’فلوس، فلوس – مال، مال‘. حفز الذهب الشاب الأخر. في لحظة بات متشوقًا للذهاب إلى البلدة. ربما اعتقد أنه إذا رافقني، سأعطيه بعض المال. سرعان ما كان الجميع يحدق بالذهب. جاءت فتاة أخرى، وفهمت إلى حد ما أنها قالت، ’لديه المزيد منه في مكان ما‘“.

جدير بالذكر أن أسماء المؤلفين Andy McNab وChris Ryan هي أسماء مستعارة فهما لم يريدا الكشف عن هويته عند كتابة كتبهما.

شعار القوات الجوية الخاصة SAS
شعار القوات الجوية الخاصة SAS

يوضح (بيتر كروسلاند) في كتابه من عام 1997 كيف أخفت قوات SAS العملات الذهبية خلال حرب الخليج، ومدى فائدتها حقًا:

”إن أموال الدية كانت شيئًا أساسيّا لقوات الخدمة الخاصة وتكونت بشكل أساسي من الذهب، وما يُطلق عليه «مذكرة الدية» كُتبت باللغة الإنجليزية والعربية والفارسية، وهي وثيقة تَعِدُ أي شخص يساعد جنديًا بريطانيًا بمبلغ 5000 جنيه استرليني.

لففت القطع الذهبية التي زُودت بها بشريط لاصق أسود. بعد ذلك، قمت بقص بطانة بنطالي وخيطت الشريط على خصري. كل فرد منّا حمل مذكرة دية، لكني لا أتذكر أي شخص استخدمها قط، لكن الذهب شيء مختلف. يمكن استخدامه كأموال لشراء المركبات وللمساعدة في الهروب.“

القوات البريطانية ساس خلال عملية جرانبي، حرب الخليج 1991
القوات البريطانية ساس خلال عملية جرانبي، حرب الخليج 1991

اتبع طيارو سلاح الجو الملكي البريطاني في حرب الخليج نفس الإجراءات، حيث جرى نشرهم مزودين بقطع من الذهب كأموال طواريء ومساومة. هذا الجانب موضح في كتاب الجنرال السير (بيتر دي لا بيليير) عام 1992:

”تخطت الأعاصير على الحدود سرعة 800 كيلومتر في الساعة واتجهنا شمالاً فوق الرمال عند مستوى منخفض للغاية، في هجوم على ارتفاع قريب من الأرض جدًا، فكان هنالك خطر كبير، لذا حمل كل فرد من الطاقم 800 جنيه إسترليني من الذهب، لتسهيل الهروب في حالة حدوث مشكلة.“

في كتابهم حول إسقاط طيارتهم في حرب الخليج، يشير الملازم الطيار في سلاح الجو الملكي (جون بيترز) والملاح (جون نيكولز) إلى استعمال الذهب الذي أنقذهم:

”ثم وجد الشخص الذي لكمني في وجهي أموالي، 1000 جنيه استرليني بشكل عملات ذهبية. نظر إليها ولمع الذهب في وجهه.“

كذلك فقد جندي قوات الخدمة الجوية الخاصة (بيتر رادكليف) عملاته الثمينة في خضم المعركة بعدما خبأها في بندقيته:

”فقدت بندقيتي عندما كنت أصعد سريعًا لسيارة اللاند روفر التي أتت للإنقاذ بينما رصاصات العدو تناثرت حولنا. بذلك أضعت بندقيتي الـ M16 إضافة للعملات الذهبية العشرين التي خبأتها في دبشك البندقية. كثيرًا ما أتساءل عما إذا كان من وجد السلاح اكتشف أيضًا الكنز المخبأ فيه“.

20 قطعة ذهبية بإصدار نموذجي من وزارة الدفاع البريطانية
20 قطعة ذهبية بإصدار نموذجي من وزارة الدفاع البريطانية

بطريقة ما، لن تكون هذه القصص والحكايات والمغريات على الأرض ذاتها لو تم استبدال هذه العملات الذهبية، بالدولار الأمريكي أو اليورو مثلًا.

ولكن لماذا يمكن للذهب أن يخرجك من وضع عدائي أو خطير عندما لا ينفع أي شكل آخر من أشكال المال؟ نعم، الذهب سهل الحمل وقيّم بطبيعته ومعترف به دوليًا. لكن هنالك أبعد من ذلك، لا يزال هناك غموض يحيط بجاذبية الذهب، فهو عملة عالمية ملموسة اُستخدم منذ آلاف السنين في جميع الحضارات في جميع أنحاء العالم. وجيل بعد جيل نحن نعرف ذلك، خاصة خارج العالم الغربي.

وبشكل غير مفاجئ، كذلك أدركت النخب العسكرية، الذين يميلون إلى إيجاد أنفسهم في هذه النقاط الساخنة والمخاطر بشكل مباشر، أهمية هذا المعدن الأصفر ومغرياته فاستغلته بالشكل الصحيح لحماية حياة أفرادها.