in

تعرّف على البلد الذي انتقل إلى الثراء الفاحش ثم عاد إلى الفقر المدقع في غضون سنوات عدة

قصة انتقال هذه الدولة الجزيرة من الفقر إلى الحرير والثروة، ثم العودة إلى أسوأ مما كانت عليه ليست فقط حكاية مثيرة للاهتمام، ولكنها تعطينا بعض الدروس المهمة أيضًا. فبمساحة 21 كيلومترًا مربعًا فقط؛ تُعد جمهورية (ناورو) أصغر دولة في جنوب المحيط الهادئ، وثالث أصغر دولة في العالم بعد الفاتيكان وموناكو.

موقع جزيرة (ناورو) في الخريطة.

هي موطن لحوالي 11000 شخص، لكن قبل اكتشاف البشر للجزيرة بوقت طويل، استخدمت أنواع الطيور المحلية هذه الجزيرة كمرحاض لها واستراحة تحطّ فيها لملايين السنين، شكلت فضلات الطيور في النهاية رواسب غنية بالفوسفات تغطي معظم منطقة الجزيرة.

بالنسبة لأولئك الذين لا يعرفون، فإن الفوسفات هو العنصر الرئيسي في صناعة الأسمدة الزراعية، ويتم استخراجه من مناجم محدودة حول العالم. لذلك، كانت (ناورو) تجلس على كومة من الذهب وكان الألمان أول من اكتشف ذلك. فبدؤوا التعدين في عام 1906 تحت اسم «شركة المحيط الهادئ الفوسفات». بعد الحرب العالمية الأولى، استمر التعدين تحت أمرة «لجنة الفوسفات البريطانية» عندما وقعت (ناورو) في أيدي بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا.

بقيت الأمور كما هي إلى حد ما حتى الحرب العالمية الثانية، وهنا بدأت الأمور تتغير، حيث حصلت (ناورو) على استقلالها في عام 1968 واشترت صلاحيات ومعدات «لجنة الفوسفات البريطانية»، وبدلاً من إصلاح الأضرار التي لحقت بها، استمرت في سلسلة تعدين حثيثة كثيفة تحت اسم شركة «فوسفات ناورو» المملوكة محليًا.

آثار مناجم الفوسفات في ناورو
آثار مناجم الفوسفات في ناورو.

استخرج شعب (ناورو) الكثير، لدرجة أن (ناورو) أصبحت واحدة من أغنى دول العالم في عقد واحد فقط من الزمن. يمكن فهم كم التعدين الجسيم بالنظر لقمم الحجر الجيري المتعرجة [في الصورة أعلاه] التي يصل ارتفاعها إلى 15 مترًا، والتي تشكلت مع استنزاف الفوسفات من الأرض!

لتحميل الفوسفات على متن السفن للتصدير، بنت (ناورو) هذه الهياكل الحديدية العملاقة على شواطئها التي أصبحت الآن عديمة الفائدة.

معدات تعدين الفوسفات المهجورة في ناورو
معدات تعدين الفوسفات المهجورة في ناورو. صورة: Every Day Is Special

في عام 1975، كسبت البلاد ما يعادل 2.5 مليار دولار لسكان لا يتجاوز عددهم 7000، وهو أكثر من كافي لإبقائهم راضين للأجيال القادمة. وصل نصيب الفرد من الدخل في (ناورو) إلى المرتبة الثانية في العالم، بعد جنة النفط الكويت.

فماذا فعل الناورونين بكل هذا المال؟ هل قاموا باستثمارات طويلة الأجل من شأنها السماح لهم بالحفاظ على حياتهم المستقبلية في هذه الجزيرة الصغيرة القاحلة والمهجورة بعد انتهاء مواردها؟ لا، كان لديهم أفكار أفضل.

بثروتهم المكتشفة حديثًا، اشترى الناس في (ناورو) السيارات والمنازل، قامت الدولة ببناء فندق وملعب للجولف وأسست شركة طيران حتى تتمكن من استيراد الأطعمة الغربية. أنشأت الحكومة «صندوق ائتمان ناورو» لإعادة استثمار الثروة الزائدة، ولكن سوء الإدارة والفساد والجهل أسفر عن استثمارات سيئة في مشاريع مغرورة في جميع أنحاء العالم، منزل (ناورو) في ملبورن وبرج (ناورو) في هاواي وفندق باسيفيك ستار في غوام، البيت الهاديء في واشنطن، فندق جراند باسيفيك في فيجي على سبيل المثال لا الحصر.

العقارات التي امتلكتها جمهورية ناورو
بعض من العقارات التي امتلكتها جمهورية ناورو.

كان المسؤولون ينفقون المال على الرحلات الفاخرة بحجة إدارة الحافظة العقارية. في وقت ما، حصلت (ناورو) على لقب ”كويت المحيط الهادئ“ بسبب كيفية تباهي المواطنين والمسؤولين الحكوميين بالمال كما لو كان بلا نهاية.

دار الزمن وبدأت (ناورو) تستنفذ موارد الفوسفات في الجزيرة، ولكن الإنفاق ظل كما هو، فاقترضوا الأموال من بلدان أخرى. أقنع أحد المستشارين الرئيس بالاستثمار في فرقة موسيقية غنائية مقرها لندن تسمى الوحدة 4 2. أغلق البرنامج بعد أسابيع قليلة فقط من ظهوره الأول ما كلف (ناورو) أكثر من 7 ملايين دولار من أموال اليوم.

مع عدم وجود مصدر دخل لسداد ديونها، استولى الدائنون الدوليون على كامل الحافظة العقارية في (ناورو) حتى طائرة الدولة الوحيدة التي شكلت الخطوط الجوية للدولة. فقدت (ناورو) الثقة، وأفلست الأمة بأكملها تقريبًا. كل ما تبقى من (ناورو) كان عبارة عن أراضي قاحلة مفرطة الاستغلال، حيث لا يمكن زراعة أي شيء، وشواطئ ملوثة حيث لا يطأ أي حيوان مائي، بالإضافة لحوالي 7000 شخص لإطعامهم. القصة لا تنتهي هنا، بل تزداد جنونًا بعض الشيء.

كمحاولة يائسة لاستقطاب الأموال، نشرت (ناورو) إعلانات على الإنترنت تسمح فيها لأي شخص يملك 20,000 دولار الفرصة لفتح بنك في الجزيرة. لاحظت المافيا الروسية فرصة الاستفادة من سياسات (ناورو) المصرفية الليبرالية واستخدامها لتبييض أكثر من 70 مليار دولار من الاتحاد السوفيتي السابق. كما استخدمت (ناورو) موقعها كعضو في الأمم المتحدة للاعتراف باستقلال دول مثل كوسوفو وأبخازيا مقابل المال. إذ يُقال إن روسيا قدمت لـ(ناورو) 50 مليون دولار كمساعدات إنسانية مقابل هذا العمل. حكومة (ناورو)، ومع ذلك، ادعت أن هذين الأمرين ليسا مرتبطين.

في عام 2001، أصبحت (ناورو) مركزًا لاحتجاز اللاجئين عندما وافقت الحكومة الأسترالية على دفع رسوم للدولة مقابل إيواء اللاجئين المؤقتين الذين وصلوا إلى أستراليا بغية اللجوء. فأُرسل مئات الرجال والنساء والأطفال إلى مراكز المعالجة الخارجية هناك، حيث أُفيد فيما بعد أن الظروف بائسة، تضمنت التعذيب، ومعاملة اللاجئين كمجرمين. قارن البعض الظروف في هذه المعسكرات مع الظروف في معسكرات غوانتانامو.

احتجاجات على احتجاز المهاجرين في ناورو
احتجاجات على احتجاز المهاجرين في ناورو. صورة: Countercurrents

تم إغلاق معسكر (ناورو) في عام 2008 وأعيد فتحه مرة أخرى في عام 2012 مع إضافات بسيطة، ولكن الظروف لم تتحسن. هذه المرة حاولت الحكومتان الأسترالية والناورونية الحفاظ على سرية الأمور من خلال الحد من الوصول إلى الجزيرة ومعاقبة أولئك الذين يتحدثون عن الظروف داخل المخيمات. أضرم لاجئ إيراني في عام 2016 النار في نفسه بعد علمه أنه من المتوقع له أن يبقى على الجزيرة في السنوات العشر القادمة.

بالحديث عن (ناورو) في يومنا هذا، فإن 70٪ من الجزيرة الآن غير صالح للسكن، مع غياب شبه تام للزراعة، يضطر الناس إلى استهلاك الأغذية المستوردة المعلبة منخفضة الجودة، والتي ساهمت بشكل كبير في تدهور صحة قاطني الجزيرة.

بحسب مؤشر كتلة الجسم، يعتبر سكان (ناورو) أكثر الناس معاناة من زيادة الوزن في العالم، حيث يعاني 97٪ من الرجال و93٪ من النساء من زيادة الوزن أو السمنة، كما تتمتع (ناورو) بأعلى مستوى في العالم لإصابات داء السكري من النوع الثاني، حيث يعاني منه أكثر من 40٪ من السكان، أمراض الكلى والأمراض المرتبطة بالقلب شائعة أيضا في الجزيرة.

90٪ من سكان ناورو عاطلون عن العمل ويعيشون على الدعم الحكومي، وقد انهار النظام التعليمي تقريبًا وما زالت مراكز احتجاز اللاجئين فعّالة.

هذه القصة توضح كيف أن الاستغلال غير المستدام للموارد بسبب الجشع والفساد يمكن أن يضعنا في موقف لا تحمد عقباه، وقد لا نخرج منه أبدًا، فهل من لبيب؟