in

مصر تشرع في بناء عاصمة جديدة للحلول مكان القاهرة

سوف تتضمن هذه العاصمة الجديدة نظاماً ذكياً لتنظيم الحركة المرورية، ومساحة خضراء أكبر من (سنترال بارك) في نيويورك، ومجمع تجاري عملاق وأبنية سكنية تكفي لإيواء 6.5 مليون شخص.

نموذج عن العاصمة المصرية الجديدة

تُبنى في البقعة الصحراوية الممتدة بين نهر النيل وقناة السويس مدينة جديدة من المحتمل أنها ستحل مكان القاهرة وتصبح هي عاصمة مصر الجديدة، وتمتد هذه المدينة الجديدة على مساحات شاسعة، والعمال يتقدمون في عملية بنائهم لها بسرعة فائقة، من المقرر أن تكون أكبر من سنغافورة، وسوف تتسع لنحو 6.5 مليون قاطن.

تتجهز الحكومة لنقل 34 وزارة حكومية إلى تلك العاصمة الجديدة ومعها المجمع الرئاسي أيضاً في شهر يونيو المقبل، وذلك بالضبط بعد أربع سنوات من إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي عن بداية إنشائها.

يصف المسؤولون هذه العاصمة الجديدة، التي لم يُطلق عليها أي اسم بعد، بأجمل وأقوى الصفات ويُظهرون انبهاراً من مدى جودة الخدمات التي سوف تقدمها مستقبلاً. ستكون هذه المدينة متطورة تقنياً بشكل كبير، وسيُبنى فيها أطول برج في إفريقيا كلها، بالإضافة لبناء أكبر مئذنة جامع وأكبر برج كنيسة في مصر أيضاً.

قال العميد السابق خالد الحسيني سليمان، وهو مسؤول التنسيق الدولي مع ACUD (الشركة المسؤولة عن تطوير وبناء هذه المدينة المصرية الجديدة) التي تشرف أيضاً على التنسيق بين وزارة الإسكان والجيش: ”سُينشئ هذا المشروع أول مدينة ذكية في مصر“.

هذا نموذج للعاصمة الإدارية المصرية الجديدة، حيث تم الكشف عنه في عام 2015.
هذا نموذج للعاصمة الإدارية المصرية الجديدة، حيث تم الكشف عنه في عام 2015. صورة: Khaled Desouki/AFP/Getty Images

وأضاف: ”من ميزات المدينة الجديدة أجهزة الاستشعار التي سوف تبلغ غرف الطوارئ عن وقوع أي حريق بالإضافة لنظام مروري ذكي جداً“، وستتباهى المدينة الجديدة بمساحة خضراء كبيرة جداً أكبر من مساحة منتزه (سنترال بارك) في نيويورك، ومجمع تجاري هائل الحجم، ومناطق سكنية، وحرم خاص بالعلوم والتكنولوجيا، ومجمع ثقافي متكامل مع دار للأوبرا ومسارح وسينما، بالإضافة لكنيسة جديدة يكاد يكتمل بناؤها، وفندق ماسة الذي تتم إدارته من قبل الجيش المصري والذي دشنه الرئيس عبد الفتاح السيسي في الشتاء الماضي.

على الرغم من قول الحكومة بأن مبيعات الأراضي والشقق ستعوض تكلفة المشروع وتجعله مربحاً أيضاً، إلا أن المحللين لا يزالون يشككون في حكمة بناء مدينة جديدة في نفس الوقت الذي تضررت فيه الطبقة الفقيرة والوسطى نتيجة الضرائب المصرية الجديدة التي فُرضت عليهم منذ فترة، بالإضافة لتأثرهم بالتضخم الاقتصادي المرتفع وإيقاف الإعانات الحكومية على مصادر الطاقة كالنفط والغاز وغيرها.

قال (تيمونثي كالداس)، في معهد ”تحرير“ الخاص بسياسات الشرق الأوسط: ”أن تشاهد دولة تنفق كل هذه المليارات بينما نسمع من رئيسها وإعلامها بأننا يجب علينا أن نتقشف قليلاً يثير بعض الشكوك أليس كذلك؟“.

فكرة النهوض بمدينة جديدة من الصفر في الصحراء ليست فكرة جديدة، فمنذ 40 سنة تقريباً قام الرئيس المصري السابق أنور السادات بإنشاء مدينة السادات، وكان الهدف منها أن تصبح مركزاً مدنياً متقدماً بين القاهرة والإسكندرية، لم ترتق المدينة لمستوى الطموحات ولم ينجح هذا المخطط بالشكل المرجو، وهذه المدينة الآن يقطن فيها فقط 150000 من السكان.

عاصمة مصر الإدارية الجديدة تٌبنى الآن على بعد 40 كيلومتر شرقي القاهرة التي تشهد الآن نمواً كبيراً، حيث تضخمت ضواحيها السكنية نتيجة قدوم سكان جدد من جميع أنحاء مصر بسبب الإغراء المادي الذي تقدمه الوظائف هناك، وتبلغ مساحتها الآن ضعف مساحة نيويورك، بالإضافة لكونها تأوي خُمس سكان مصر (عدد سكان مصر الكلي 97 مليوناً)، وهذه المدينة ليست الرأس السياسي لمصر بل هي أيضاً قلبها الثقافي.

موقع عاصمة مصر الإدارية الجديدة على الخريطة.
موقع عاصمة مصر الإدارية الجديدة على الخريطة.

ومع ذلك، كان توسع المدينة السريع أيضاً سبباً في انهيارها اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وفقاً للمسؤولين. يقول (كالداس): ”كانت مصر في حاجة لمثل هذه العاصمة الجديدة منذ زمن طويل لا بل تأخر الشروع فيها، فاليوم يمكننا وصف القاهرة بأنها مدينة مليئة بالازدحام المروري والسكاني ولا يمكن لبنيتها التحتية استيعاب المزيد من الناس“.

تأمل السلطات أن تقوم المدينة الجديدة بالحلول مكان القاهرة من ناحية الجذب والازدهار السياحي، وليس أن تكون مجرد مدينة وقاعدة حكومية فقط.

على مدى العقد الماضي أو أكثر، انتقلت طبقات القاهرة الاجتماعية الوسطى والعليا إلى الضواحي سعياً لتحسين نوعية الحياة والاندماج في مجتمعات مصرية تحوي فقط على أمثالهم من نفس الطبقة، بالإضافة لوجود مراكز تسوق راقية فيها أيضاً. امتلأت الطرقات المصرية بإعلانات تروج للمدينة المتطورة الجديدة وطرقها السريعة وشققها الممتازة، وفي كثير من الحالات تُباع تلك الشقق قبل اكتمالها أيضاً وهي لا تزال على شكل صور.

يمكن لهذا الدعم الإعلاني أن يعزز من فرص نجاح العاصمة الإدارية الجديدة في قدرتها على الحلول مكان العاصمة الحالية القاهرة كمركز رئيسي في مصر، غير أن الأمر يقف على من سينتقل للعيش في المدينة الجديدة وماذا سيجلب معه إليها من أمور إيجابية ورؤوس أموال، ففي حال عامل الناس هذه المدينة على أنها مدينة يذهبون إليها في بعض الأوقات ولكنهم يفضلون قضاء أغلبية وقتهم في الإسكندرية أو القاهرة، عندها ستصبح المدينة الجديدة مدينة ميتة، فإن استطاعت الحكومة إقناع الناس بالانتقال كلياً إلى هناك عندها يمكننا القول بأن الخطة قد نجحت.

طواقم العمال على طرقات العاصمة الإدارية المصرية الجديدة.
طواقم العمال على طرقات العاصمة الإدارية المصرية الجديدة. صورة: Mohamed El-Shahed/AFP/Getty Images

بالنسبة للرئيس السيسي، هناك العديد من الأسباب المنطقية والجيدة التي تدفعه لإنشاء مثل تلك المدينة: أولاً هناك فوائد اقتصادية يقدمها مشروع هائل الحجم كهذا إلى قطاع البناء والسكن. قال (ديفيد باتر)، وهو عضو مشارك في مؤسسة (تشاتام هاوس) التي تتخذ من لندن مقراً لها: ”يعزز هذا المشروع بكثير من الطرق الفوائد المرجوة لمصر، أغلبها منفعة مادية طبعاً“.

أيضاً هناك العامل الأمني، السيسي أطاح بأول رئيس مصري منتخب في عام 2013 وهو الرئيس السابق المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي بعد احتجاجات واسعة شهدتها القاهرة ضده. يقول سليمان: ”سوف يستلم الجيش زمام الأمور في العاصمة الجديدة، فسوف يتحكم بإدارتها بشكل كامل ويسيطر عليها بكاملها من مركزها إلى أطرافها“، ويقول المحللون أن هذا يمكن أن يساعد في عزل الحكومة عن التهديدات والانتفاضات الشعبية التي من الممكن أن تحدث مستقبلاً.

موقع بناء في عاصمة مصر الإدارية الجديدة.
موقع بناء في عاصمة مصر الإدارية الجديدة. صورة: Khaled Desouki/AFP/Getty Images

لم يخفِ السيسي، الذي تم انتخابه لفترة رئاسية ثانية في شهر مارس الماضي، رغبته بأن تستعيد مصر مجدها ضمن العالم العربي، وهناك آمال بأن تساعد هذه العاصمة الجديدة في ذلك، حيث أنها ستجلب العديد من الاستثمارات الأجنبية والشركات العالمية مما يضعها على قدم المساواة مع دول الخليج، التي تبدلت حالتها للأفضل بشكل كبير خلال العقدين الماضيين.

وقال خالد أدهم، وهو باحث في الهندسة المعمارية والتخطيط المدني: ”مصر بحاجة لعملية تجميل، فإن كنت تبحث عن شركات دولية وتريدها أن تستقر وتستثمر في مصر، فستكون هناك حاجة كبيرة للتطوير، لأن القاهرة وأجزاء أخرى من مصر لم تعد تثير الجاذبية بعد الآن، فالعمال في الشركات الدولية المشهورة لا يمكن أن يستقروا في مدينة من دون أن توفر تلك المدينة نمط الحياة الذي توفره مدنهم الأصلية وحتى أكثر“.

يألف السيسي القيام بالمشاريع الكبيرة لأنه ومنذ توليه منصبه ساعد في إعادة تنشيط وتحديث طرقات البلاد، مما تضمن توسيعها أيضاً وبناء شبكة مواصلات حديثة تصل مناطق كبيرة ومختلفة من مصر ببعضها.

هذا نموذج للعاصمة الإدارية المصرية الجديدة، حيث تم الكشف عنه في عام 2015. صورة: Khaled Desouki/AFP/Getty Images
هذا نموذج للعاصمة الإدارية المصرية الجديدة، حيث تم الكشف عنه في عام 2015.

هذا العام؛ كشفت الحكومة عن أكبر منتزه يُدار بالطاقة الشمسية في العالم ويقع قرب مدينة أسوان المصرية، وفي عام 2015 افتتحت قناة السويس الجديدة التي تهدف إلى إخراج مصر من الضيق الاقتصادي الذي تعاني منه، ومع ذلك لم يحقق المشروع إلى الآن الفوائد الاقتصادية الهائلة التي كانت الحكومة تأمل بتحقيقها.

تقول (ميشيل دن)، مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة (كارنيغي) للسلام الدولي وهي مؤسسة فكرية مقرها واشنطن: ”ما تعرفه مصر وجيشها بشكل مبهر هو بناء الأشياء، سواء كانت طرقاً أو أبنية فهم يملكون إمكانية الوصول إلى الأراضي التي تملكها الدولة وهي مساحات شاسعة جداً مما يمكنهم من تجاوز الجانب البيروقراطي من الأمر، فالبناء والتطوير العماري والخدمي هو طريقهم في إظهار الإنجازات للشعب المصري“.

قل لنا ما رأيك: هل سينجح السيسي في النهوض بهذه العاصمة الجديدة؟ أم ستصبح هذه المدينة مثلها مثل العديد من المدن التي تم تلميعها إعلامياً بشكل مبالغ به ولكنها في النهاية أظهرت فشلها؟

جاري التحميل…

0