معلومات عامة

لعنة أوندين (فقدان القدرة على التنفس أثناء النوم) بين الفن والطب

لعنة أوندين
لوحة للفنان الانجليزي جون وليام ووترهاوس بعنوان ’اوندين‘ رسمها عام 1872

في الصورة الظاهرة أعلى المقال لوحة الفنان الإنجليزي جون ووترهاوس والتي رسمها عام 1872. أوندين، تلك الفتاة الشقراء الجميلة حورية البحر ليس لها روح، أي أنها خالدة لا تموت. ولكن هذا ليس الحال حين تقع في حب رجل من البشر؛ فوقتها تصبح مثلنا وتفقد صفة الخلود.

وفقاً للقصص الأساطير فـ”أوندين“ وقعت في حب رجل اسمه ”باليمون“، والذي كان أيضاً يبادلها الشعور ويحبها، ومن شدة حبه لها ألغى خطوبته على خطيبته ”بيرثا“ وتم زواجه من ”أوندين“، حيث تبادلا القسم ”ليكن كل نَفَسٍ آخذه في يقظتي دليلاً على إخلاصي ووفائي لهذا الحب“.

في السنة التالية أنجبت ”أوندين“ طفلاً، ومن هذه اللحظة بدأت تفقد كمالها السحري وأخذت تتأثر بتغيرات العمر كأي إنسان، بدأ جسدها يتغير وجمالها يبهت، وأخذ ”باليمون“ يسترق النظرات بحثاً عن نساء يافعات جميلات.

في أحد الأيام سمعت ”أوندين“ شخير ”باليمون“ في إحدى الأماكن، فقررت الدخول وإيقاظه ليعود معها إلى المنزل، وهنا كانت الصدمة حيث وجدته نائماً ويداه حول خطيبته السابقة بيرثا! امتلأت نفس ”أوندين“ بالغضب والندم على تضحيتها بخلودها وكمالها من أجله.

لعنة أوندين

ركلت زوجها النائم وهمست لعنتها عليه ”لقد أقسمت بكل نفسٍ يقظٍ بأنك ستكون مخلصاً ووفياً لحبنا، وأنا قبلت ذلك. فليكن إذاً كذلك طالما أنك مستيقظ. ولكن في حال جئت لتنام في أي لحظة فإن نفَسك ستتركك“، لقد تبقى لـ”أوندين“ بعض السحر لتجعل هذه اللعنة حقيقة، ومن وقتها لم يستطع ”باليمون“ النوم مجدداً!

قصة حزينة طبعاً، ولكن الأكثر حزناً هو أن هناك مرضاً يصيب الإنسان إما لأسباب جينية (تم ربط 91% من الحالات بطفرات في جين خاص) أو لأسباب أخرى تحدث بسبب تعرض الجزء الخاص بالتحكم بالتنفس اللاواعي للضرر.

تتم عملية التنفس كشهيق وزفير بشكل روتيني بدون وعينا ولا تحكمنا بها، ولحسن حظنا أننا لن نشغل وعينا وتركيزنا على أخذ 12-20 نفس في الدقيقة (الأطفال معدل تنفسهم أعلى). ويمكننا تسريع العملية أو تبطيئها من خلال وعينا وتحكمنا بعضلات الصدر والحجاب الحاجز.

بنيتنا العصبية تتشكل من أجزاء تخضع لوعينا وإرادتنا، وأجزاء أخرى ليست تحت تحكمنا مثل نبض القلب مثلاً، هذه العمليات تحدث من خلال أعصاب خاصة منها ما هو موجود في النخاع المستطيل؛ حيث هناك معلومات عن تركيز الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون تصل النخاع المستطيل فتخبره إذا كنا نحتاج إلى زيادة معدل التنفس للحصول على المزيد من الأوكسجين مثلاً، فيعطي الأوامر بذلك والعكس صحيح.

هذه التركيبة العصبية تأتي معنا منذ ولادتنا، وهذا يعني أن جيناتنا هي التي شكلت هذا الترتيب، بالتالي إن كان هناك طفرة جينية في الجينات المسؤولة عن هذا التركيب سيؤدي ذلك إلى مشاكل في التنفس لدى الأطفال، أو لاحقاً نتيجة حادث سير أو جلطة أو حالات الغرق أو بعض السرطانات أو عملية جراحية تؤذي المراكز أو الأعصاب الخاصة بهذه العملية.

تظهر الأعراض بشكل أكثر في الليل لأن كفاءة العملية تقل نظراً للحالة المستريحة للجسم، وفي الحالات المتقدمة من المرض يمكن أن تحصل المشاكل حتى في اليقظة. الأعراض تأتي على شكل ازرقاق في الأطفال وهنا لتعدد الأسباب وندرة المرض فغالباً ما لا يتم اكتشافه مبكراً، وقد يتوفى الأطفال في حال عدم كشفه بشكل سريع وتزويد العلاج اللازم (دعم التنفس).

عند البالغين قد يحصل تغير في لون الجلد (أغمق) نتيجة نقص الأوكسجين بالإضافة للإعياء والتعب والصداع. ومن الجدير بالذكر أن أول ما تم اكتشاف المرض كان عام 1962 من قبل أطباء أجروا عمليات على الجزء العلوي من الحبل الشوكي (الجزء العنقي منه) وجذع الدماغ على ثلاثة مرضى، حيث تضررت المسارات العصبية الخاصة بهذه العملية.

هذا المرض ليس المرض الوحيد الذي يصيب الجهاز العصبي اللاإرادي، فحركات الأمعاء أيضاً تتم من خلاله، ولذلك بعض الأطفال لا يستطيعون الإخراج بسبب خلل في المسارات العصبية الخاصة؛ وأيضاً عملية بلع الطعام تخضع بشكل جزئي لعضلات تحت هذا المفهوم.

مقال من إعداد

mm

محمود أبو سريس

طبيب عام، مهتم بالفكر والعلوم في مجالات الصحة والتكنولوجيا، شغوف بالثقافات والحضارات المختلفة وتطورها التاريخي. محب لتعلم اللغات والموسيقى.

عدد القراءات: 1٬463