أقصوصة

ها أنا أجلس في زنزانتي منتظرًا أن يُعلِنَ القاضي عن تاريخ إعدامي

أجلس في زنزانتي

قبعتُ تحتَ الماء المتسرب الذي تسبب بهِ المطر فوق رأسيَ المليء بالأفكار التي أضْحَتْ متناقضة مع مرور الأيام… لقد مر الكثير من الوقت منذ توقفت عن عد الأزمان هنا.. ولكن اليومَ، تحولت هذه التناقضات إلى تخيلات ممتعة داخل كبريائيَ المهمش…

وصلت لما أنا عليه بفضل أفكاريَ، أو كما يقولون، أفكاري المنبثقةَ مِن جهنم. كما واتُّهمتُ ببيع الأرواح للشياطينِ ثمنًا للخلود والصبا… يا للسخرية، فهم ما زالوا يؤمنون بهذه الترهات في زمن خلت فيه المعجزات. فلقد اكتسح المنطق عالمنا وأباد المعجزات جميعًا.. لقد ولى زمن المعجزات.. عالمي المستبدُّ ظنَّ أن المنطق والفلسفة سلسلة من الأحكام الدينيّة التي لا أصل لها…

أقبع هنا متصورًا كيف يتهمون بعضهم بعضًا بالكفر، وهم غارقون وملتصقون بقعرٍ أسموه ”الإيمان“ ولم يفهموا معنًى لذلك قط. لم أقصد أن أولد كافرًا، فقد ولدت إنسانا، إنسانا حرا، وهم يرغمونني على اختيار دين معين، أو بالأحرى يرغمونني على اختيار دينٍ من أديانهم.. لم أولد يهودياً، ولا مسيحيا، ولا مسلما، ولا حتى هندوسيا أو بوذياً… لقد ولدَ معي عقلٌ لا يرغمني على اختيار ما لا أحتاج، وقد اخترتُ طريقًا ظننته صوابًا، وظنه جميعُ من حوليَ كفرا وزندقة..

وبالرغم من ذلك، أكرمت والداي، ولم أقل لهما ”أفَّ“، و عملت ببعض الوصايا الإلهية التي لم يعمل بها بعض المؤمنون، فأنا لم أسرق ولم أكذب ولم أزنِ ولم أشهد زورًا.. ولكن ما الفائدة؟ فأنا لم أعترف بوجود ”الربّ“، ولم أقرّ أنّ لا مخلص لي إلا إيّاه، فاتهمتُ بازدراء الأديان…

إن فلسفتي، بالنسبة لي، كانت مليئة بالثورة والإنفعالات المستمرة تجاه كل شيء. واليومَ، أصبحت فلسفتي بعيدة كل البعدِ عما نسجت مخيلتي الحمقاء وعما أقنعت به نفسي..

لطالما رغبت بالوصول إلى السلام الداخلي، لكنهم كبلوني بسلاسل محكمة تمنعني من الإتيان بأية حركة. في بعض الأيام، منعوني من قضاء حاجتي أيضا.

كان النومُ يستدعيني أكثرَ من اليقظة، فقررتُ الإمتناع عن تناول الطعام مقابل احتساء القهوة والكتابة. أجل… الكتابة عما يخالج نفسي من اضطرابات وخواطر..

كتبت الكثير من قبل، كتبت بخطوط مُنَمْنَمَةٍ على زوايا الأوراق التي لطالما وجدتها في المهملات. حينما امتنع رجال الأمن عن تزويد السجناء بلفائف السجائر، توقفت عن استعمال الأوراق للكتابة، بل صرت ألف بها بقايا السجائر وأشبع رغبتي بالتدخين.. لكنني مؤخرًا قررت أن أكتب من جديد لأنني أقلعت عن التدخين.

كنت قد نسيتُ طعم الموسيقى، فقد كانت فيما مضى طعامي المفضل، وملاذي، وصلاتي.. لكن أينما وجد القمع، تختفي الموسيقى. لقد انتهى بي الأمر بأن أتظاهر أنّ ”قرقعة“ الملاعق التي تصطك بالصحون هي موسيقى من نوعٍ آخر..

لم أكن أهوى الكلام والأحاديث الواهية، فقد كنت أفضّل الإصغاء لثرثرات و همهمات السجناء..

كفاني كلاما، فقد مللت…

وها أنا أسمع صوت خطوات الجلاد قادمًا نحوي.. فقد صرت أميزها حين يكون قادمًا باتجاهي.. وها هو يقف عند باب الزنزانة منتظرًا خروجي.. منتظرًا أنّ ينفّذ قرار الإعدام بشغفه المعتاد.

ها هم يقتادونني في الممر بين الزنزانات، والكل ينظر إلي بهلعٍ ساكنٍ.. لكنني لست خائفًا، بل مرتاحٌ ومسترخٍ لنيلي حريّتي، أخيرًا.. ها أنا أبتلع ريقي متسائلا عما يبدو عليه الخارج..

خرجت، ولكن الخارج كان ليبدو أسوء من الداخل لولا أن حريتي تتمايل أمامي مع النسيم، مشنقتي قمحية اللون، هي أنثى قاتلة.. وها هي تلتف حول عنقي كأفعى رقيقة رغم خشونة ملمسها.. وبعض القساوسة ملتفون حولي يقرأون كتابهم المقدس من أجل راحتي الأبدية، وإذ بهم يسألونني عن كلماتي الأخيرة، فأجيبهم: اشتقت لفيروز.

فيضحك أحدهم، ويسحب الكرسي من تحت قدمي، فأهوي…

عدد القراءات: 1٬777