اجتماعيات

جيل الحرب السورية بين الوطن المدمّر والملجأ الغريب

جيل الحرب السورية

بعد مرور ما يقارب الست سنواتٍ على بداية الحرب في سوريا، شهد المجتمع السوري تغيّراتٍ كثيرةً أتت كنتيجةٍ مباشرة أو غير مباشرة لما يحدث في الواقع السياسي والعسكري.

ولعلّ أبرز تلك التغيرات هي ما نراه اليوم في جيل الشبّاب حديث النشء ممّن عاصرت مرحلة نضوجه بداية الحرب.

ومن الملفت للنظر وجود فئتين بارزتين في هذه المجموعة؛ أولهما الفئة التي سارعت بالسفر حالما صحّت لها الفرصة فطلبت اللجوء في مختلف البلدان الأوروبية، وبدأت حياتها من جديد تاركةً كل شيءٍ خلفها. بعضها يتذكر بلده بالحنين والاشتياق وقد يعبّر عن ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، والبعض الآخر يرى بما ترك خلفه مكاناً مشؤوماً غير قابلٍ للإصلاح ويدعو كلّ من بقي فيه إلى السفر والهجرة، ولكلٍّ منهما أسبابه الخاصةّ.

ولكنّ مشاكل أو صعوبات الاندماج في المجتمع الجديد التي تواجه إحدى هاتين الشخصيتين لا تقلّ صعوبةً عن تلك التي تواجه الأخرى.

أما مقياس النجاح في الاندماج فيختلف من فردٍ لآخر، كلٌّ حسب مقدرته على تعلّم لغة البلد الجديد أولاً، ثمّ كيفية تعامله مع مواطني هذا البلد وتقبّل الثقافة الجديدة بمختلف مظاهرها؛ إذ لا يمكننا أن ننكر أننا متأخرون بضع سنواتٍ عن الغرب وإذا لم يكن السّوريُ المهاجر مرناً في التعامل مع الصدمة الثقافية التي سيتعرض لها فسيواجه مشكلاتٍ كثيرة لسنا بصدد ذكرها حالياً.

وبالمجمل تؤثر هذه الأمور كلها على الفرد الذي يحاول جاهداً الانضمام إلى ذلك العالم الجديد خالقةً لديه أزمة هويةٍ تستحق الملاحظة.

أما الفئة الثانية فهي مجموعة الشباب التي بقيت في البلد لعدة أسباب، فقد يكون بعضها ملتزماً بالدراسة أو مضطراً للبقاء مع عائلته أو لا يملك القدرة المادية الكافية للسفر، بعد أن أصبحت وسائل التهريب أخطر وأغلى مما كانت عليه ببداية الحرب، أو ببساطة لا يريد أن يسافر إذا كان يعيش في إحدى المناطق السورية ذات الأوضاع المستقرة نوعاً ما.

هذه الفئة أيضاً تواجه أزمة هويةٍ من نوع آخر، إذ ترى أخبار بلدها تتصدّر عناوين الأخبار كل مساء ولا مجال للتنبؤ بما سيحدث في المستقبل القريب. وأوضاع الكهرباء والماء والغذاء والغلاء المعيشي تشكّل ضغطاً يومياً على شبابٍ وشابات يطمحون للتغيير أو العيش بدون القلق على أساسيات الحياة في القرن الواحد والعشرين.

وقد شكّل هذا العذاب للبعض دافعاً للدراسة أو العمل إما إيماناً منهم بقدرتهم على تحسين الواقع الحالي أو تمهيداً للسفر.

وتتجلى أزمة الهوية لهذه الفئة بالشكل الأكبر في الضياع، فطاقة الشباب وحب المغامرة والقدرات الغنية تواجه عائقاً كبيراً أمام الإمكانات المتواضعة والفرص الضئيلة المتوافرة أمامهم.

وبغض النظر عن الفئة التي ينتمي إليها الشاب أو الشابة السورية، فما تزال حالة التشتّت تلاحقهم أينما ذهبوا ولا يبدو أنها ستنتهي قريباً.

عدد القراءات: 5٬206