أقصوصة

دعني أكسر أعين نساء الحارة

لوحة الجيرة للفنان جرجس لطفي
لوحة الجيرة للفنان جرجس لطفي

كنتُ وحيداً في غرفتي بعد أن أنهيتُ عملي، أدخّن آخر سيجارة في العلبة وأسرح في الأنغام التعيسة. لستُ أستمع لهذا الصنف من الوسيقى لضيق يخالجني؛ ولكنّي أحب اختلاق الكآبة من وقت لآخر. وبالمناسبة، طابقتُ الثلاثين دون مصادقة كتاب.

فجأةً تقاطعت تعاستي المُفتعلة بدقّة بابٍ من أمي، جلست أمامي واضعةً يديها في حجرها، كأنّها تتجهّز لإلقاء موعظة، وأخذت في هذيان الأم الجاهلة كالمعتاد. ”يا بنيّ.. ألا تريد إكمال نصف دينك الذي لا تعرف منه سوى ما تلقّنته؟ لمَ لا تفني بقيّة حياتك مع فتاةٍ لا تعلم عنها سوى مظهرها وأهلها. وهي لا تدري من الدنيا سوى بيت أبيها وفستانين تحلم بهما منذ صغرها دون أن تعي ما يجب عليها فعله بعد خلعهما. لمَ لا تأخذ فتاةً بعرض ماليٍّ مقدّم لأبيها، يرضى به ويغريه، فيثق بك ويسلّم فلذة كبده لغريب يملك مالاً..“

أحببتُ أنثى من قبل لكنّي لم أدخل في علاقةٍ جادةٍ قط، فالأنثى لا أمان لها دون سلسلةٍ ذهبيةٍ. لكن فكرة امرأةٍ تقوم بمنزلي صباحاً وبسريري مساءً أثارتني وحكّت عقلي، لكنّي قلتُ لأمي متردداً: ”شيءٌ كهذا يحتاج إلى تفكير، أحتاج إلى وقت“.. لا أدري لمَ قلتُ ما قلت لكنّني أحسستُ بمنطقيته فتلعثمتُه.

فردّت عليّ أمي: ”يا بنيّ، الشيء لا يحتاج إلى كثير من التفكير، فبغضّ النظر عن عملك الذي لن يأمّن لك الكثير ومستقبلك المهني الميت في مهده، نحن قادرون أن نتكفّل بك، وإخوتك سيساعدونك، وأملاك أبيك ستسندك… المهم أن نفرح ونتبهرج؛ ليرانا الناس الذين لا يهمّنا منهم سوى الكلام، فلندعهُم يفرحون بالعرس ويملؤون بطونهم في الغداء، ليقولوا أنّ الولد تزوّج، فمن المأكّد أنه ناجحٌ وعاقل، وكلامُ الناس مهمٌ أيضاً، ولم يبقَ أعزبٌ من إخوتك سواك. إذا لم يكن لأجلك فلأجلي، دعني أكسر أعين نساء الحارة، فأنت تعلم، عندما تُجبر المرأة على الاهتمام ببيتها والبقاء فيه، وتنقطع عن أيّ ثقافة في العالم، لا يبقى لها سوى الثرثرة واللغو“.

فوافقتُ… لستُ أوّل من يتزوّج من لا يعرفه لإرضاء من لا يقدّره.

مقال من إعداد

mm

عمر عبد العال

عدد القراءات: 3٬901

تدقيق لغوي: عباس حاج حسن.