اجتماعيات

قمع الأقليات في إندونيسيا: المتظاهرون المسلمون يطالبون بقتل حاكم جاكرتا الحالي

المتظاهرون المسلمون يطالبون بقتل حاكم جاكرتا الحالي
المتظاهرون المسلمون يطالبون بقتل حاكم جاكرتا الحالي

بدأت محاكمة حاكم جاكرتا المسيحي باسوكي تاهاجا بورناما الملقب ”أهوك“ بتهمة الإساءة للقرآن في ديسمبر 2016، ووجهت له هذه التهمة بعد أن انتشر مقطع فيديو لتصريحات أدلى بها قد يبدو من خلالها أنه يسيء إلى القرآن، ولكن في أول جلسات المحكمة، قال بعيون دامعة أنه ”من الواضح أن ما قلته في أرخبيل ’ألف جزيرة‘ لم يهدف إلى تأويل القرآن أو حتى النيل من الإسلام أو العلماء.“

يقف المتظاهرون المسلمون المتشددون خارج مبنى المحكمة مطالبين بقتل حاكم جاكرتا الحالي، الذي يشتمونه بلقب ”الكلب الصيني“. وقد كان خطاب المتظاهرون أمام المحكمة مألوفا. ففي الأشهر الأخيرة، وصفوه بالخنزير، والمضطرب عقليا، والمسيح الدجال، بالإضافة إلى مطالبتهم للمشتركين في مظاهراتهم ضد أهوك بإحضار ”مليون رمح“.

وقد اغتنمت جبهة حماة الإسلام (FPI) سيئة الصيت فرصة استخدام هذه التهمة المزعومة ضد أهوك في تأليب المسلمين المعتدلين عليه، ويأتي ذلك في سياق حملتها المستمرة ضده منذ سنين لأنه مسيحي من العرق الصيني. ففي 2014، تظاهر أعضاء الجبهة أمام مكتبه وهددوا بقتله و”تطهير جاكرتا من كل سكانها من العرق الصيني“، وكان ذلك إبان فترة تقلده لمنصب حاكم جاكرتا، بعد أن فاز الحاكم السابق جوكو ويدودو برئاسة البلاد (وكان أهوك نائب حاكم جاكرتا قبل ذلك).

كما شهدت السنة الماضية موجة جديدة من المظاهرات المناهضة لأهوك نتيجة هفوته في أرخبيل ألف جزيرة. فتظاهر 150000 من المتشددين الإسلاميين يوم 4 نوفمبر في مظاهرة انزلقت إلى أعمال شغب وعنف ضد الشرطة.

المتاظهرون يستخدمون عصيا ضد الشرطة في جاكرتا

المتاظهرون يستخدمون عصيا ضد الشرطة في جاكرتا – الصورة لـAssociated Press

وفي يوم الجمعة 2 ديسمبر، أجريت ضد أهوك صلاة جمعة في وسط جاكرتا وتعد تلك الصلاة أكبر حدث ديني في تاريخ إندونيسيا. وتسببت هذه التظاهرات، التي تقودها جماعات متطرفة، بمخاوف انقلاب ضد الرئيس المنتخب ديموقراطيا جوكوي. ويعد أهوك أبرز شخصية إندونيسية تُتّهم بازدراء الدين. وبالرغم من أن هذه القضية قد تكون الأبرز من نوعها، إلّا أنها بالتأكيد ليست الأولى.

قوانين التجديف في إندونيسيا والمشاعر المناهضة للأقليات

استُخدمت قوانين التجديف في قمع واسكات الأقليات منذ أن نشأت الديموقراطية في 1998، وقد شهدت تلك الفترة أعمال عنف واسعة النطاق ضد الأقليات كالصينيين، والمسيحيين، وطوائف إسلامية كالشيعة والأحمدية، وأفلت مرتكبو تلك الأعمال من العقاب. ووثقت مؤسسة سيتارا، مراقب الحقوق الدينية في إندونيسيا، تصاعد حالات العنف والقمع ضد الأقليات على مدار العقد المنصرم، بما في ذلك 214 حالة في 2014 و197 حالة في 2015.

وبالرغم من تصريح منظمة فريدوم هاوس، مراقب سياسي، بأن إندونيسيا هي دليل على أن الديموقراطية ”لا تزال تنبض بالحياة خارج شمال الكرة الأرضية“، إلّا أنها تصنف أكبر دولة في جنوب شرق اسيا على أنها ”حرة جزئيا“، وذلك بسبب القلق الدائم حول حرية الصحافة والتمييز ضد الأقليات الدينية. وتعكس قضية أهوك والرد الشعبي الكبير عليها المشاعر المتجذرة المناهضة للأقليات والتعصب في البلد، ويدعم قانون التجديف هذه المشاعر بينما يتجاهل الجرائم ضد المسيحين، والبوذيين ومتبعي الديانات الأخرى.

الحراك لإبطال قوانين التجديف في إندونيسيا

ولطالما طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش من الحكومة الإندونيسية إلغاء التشريعات التمييزية مثل قانون التجديف 1965، الذي يسمح بالهجوم على الأقليات والإفلات من العقاب. أما ما يسمى بقوانين ”التناغم الديني“ التي سنّت في ولاية الرئيس السابق سوسيلو بامبانغ يودهويونو، الذي ينافس ابنه على مقعد حاكم جاكرتا ضد أهوك، فقد رسخت تلك القوانين التمييز الديني على أرض الواقع، وذلك من خلال زيادة الصعوبة على الأقليات في بناء دور العبادة. كما أصدر وزراء حكومة الرئيس السابق تصريحات تحريضية ضد الأقليات، بما في ذلك وزير الشؤون الدينية سريادهارما علي، الذي أعلن في 2011 أنه ”علينا أن نحظر الأحمدية. أنه من الواضح أن الأحمدية هي ضد الاسلام.“

وفي الفترة الأخيرة، استخدم قانون التجديف ضد 7000 عضو من أقلية الجفاتار، التي تمزج ممارساتهم الدينية ما بين الإسلام وتعاليم من المسيحية واليهودية. وقد أجلتهم الحكومة إلى مناطق أمنة بعد أن أبدى سكان محليين من الملايو والداياك اعتراضهم على وجودهم من خلال نهب ممتلكاتهم، إلّا أنها هددتهم فيما بعد بالملاحقة القانونية تحت تهمة التجديف وبإخضاعهم لدورات ”إعادة التعليم الديني“ لإيمانهم بما وصفته ”تعاليم منحرفة“. ومنذ ذلك الوقت، اتهمت القادة السابقون لهذه المجموعة بالتجديف والخيانة.

وفي ديسمبر، أصدر الاتحاد الدولي للقيم الإنسانية والأخلاقية تقريرا يضع إندونيسيا بجانب دول مستبدة كبروناي وماليزيا في خانة أسوء المنتهكين لحقوق الأنسان والحريات الدينية في جنوب شرق اسيا. وأشار التقرير إلى أن من لا ينتمي إلى الست ديانات المعترف بها – الإسلام، والبروتستانتية، والكاثوليكية، والهندوسية، والبوذية، والكونفشيوسية – ”يتعرض للتمييز على المستوى الرسمي“ بشكل أساسي، على سبيل المثال، في تسجيل عقود الزواج أو إصدار شهادات الولادة. كما أشار التقرير إلى التطبيق المتزايد لقوانين الشريعة الإسلامية في محافظة آتشيه، حيث تفرض الحكومة على النساء أن يتقيدوا بقواعد اللباس الإسلامية بغض النظر عن دينهم، وتطبق العقوبات البدنية في حالات ”الجرائم“ مثل شرب المشروبات الكحولية وممارسة الجنس خارج العلاقة الزوجية.

تطبيق العقوبات البدنية في حالات ”الجرائم“ بما يوافق الشريعة الإسلامية

تطبيق العقوبات البدنية في حالات ”الجرائم“ بما يوافق الشريعة الإسلامية – صورة لـAP

وفي سياق قضية أهوك، صرحت المؤسسة الإندونيسية للمساعدة القانونية بأن استخدام قوانين التجديف يحد من حرية التعبير وأن تعريفها واسع ودون أي معايير واضحة، ما يعني أنه من الممكن أن يصنف أي فعل كمخالفة. وأكد رئيس المنظمة ألفون كرناي بالما أنه ”علينا أن نعمل من منظور حقوق الأنسان والديموقراطية أولًا ثم نلجأ إلى التهم الجنائية كحل أخير.“

قام ناشطون بتقديم طلبان بالمراجعة القضائية أمام المحكمة الدستورية بشأن قانون التجديف (1965) في 2008 و2013، إلا أن المحكمة حكمت ضدهم، مدعية أن القانون ضروري للمحافظة على النظام العام، باستثناء أحد قضاة المحكمة الذي اعترض على الحكم، وصرح بأن القانون هو ”تركة من تركات الماضي“ وأن ”أفعالا غير مشروعة تنفذ ضد الأقليات باسم هذا القانون.“ وانتقدت الهيئة الوطنية لحقوق الانسان حكم المحكمة، متهمة إياها بالفشل في تنفيذ التزامها بتوفير الأمن المنصوص عليه في دستور 1945.

ومع ذلك، قد تأخذ العدالة مجراها في قضية أهوك. ففريق القضاة المعين لرئاسة جلسات المحكمة يتميز بتعدديته الدينية ما يوحي بالثقة في نزاهته.

ولكن على المدى البعيد، تعتمد المحافظة على حقوق الأنسان في إندونيسيا على إبطال قانون التجديف (1965) والتشريعات التمييزية التي أعقبته في نهاية الأمر، بما تتضمنه من حدود على الحرية الدينية وتعريض الأقليات المتنوعة في إندونيسيا للخطر المباشر.

فكما بينت قضية أهوك – وجود إندونيسيا كدولة ديموقراطية وتعددية يعتمد على ذلك.

هذا المقال مترجم من المصدر.

مقال من إعداد

mm

إبراهيم صوان

فلسطيني كندي، ماجستير دراسات الترجمة، مهتم بالقضايا الاجتماعية والسياسية، العلمانية هي الحل.

المصادر

عدد القراءات: 1٬728