معلومات عامة

كيف تمكنت مضيفة طيران من إنقاذ 152 مسافراً من براثن ”منظمة المضطهدين في الأرض“ التي يعتقد أنها تابعة لحزب الله اللبناني

خطف طائرة بيروت 1985

أنقذت (أولي ديركسون) مئات الأرواح عندما تصرفت كصانعة سلام بعد أن اختطف أعضاء من (منظمة المضطهدين في الأرض) طائرةً تابعة لشركة خطوط النقل الجوية العالمية برحلة طيرانها الـ847.

بدا صباح يوم الرابع عشر من حزيران عام 1985 كصباح أي يوم آخر بالنسبة لـ(أولي ديركسون)، مضيفة الطيران التي تعمل لدى شركة (خطوط النقل الجوية العالمية) Trans World Airlines، حيث كان طاقم الطائرة يتحضر في صباح هذا اليوم لما اعتقدوا أنها ستكون رحلة هادئة من (أثينا) عاصمة اليونان إلى (روما) عاصمة إيطاليا كمثيلاتها من الرحلات السابقة، ولكن سرعان ما تسارعت الأحداث بعدما أقلعت الطائرة ليكتشف طاقم الرحلة 847 أن هذه الرحلة سوف تكون رحلةً استثنائيةً لم يشهدوا مثلها في حياتهم.

حوالي الساعة العاشرة صباحاً، قام راكبان عن مقعديهما وأخرجا مسدساً وقنبلتين كانا قد أدخلاهما معهما خلسةً إلى الطائرة، وعندما اقتربت المضيفة (ديركسون) منهما محاولةً معرفة ما الذي يجري باغتها أحد الرجلين بركلة على صدرها موقعاً إياها على الأرض، ثم قام نفس الشخص برفعها عن الأرض واقتيادها معه إلى حجرة القيادة وهنا وفي هذه اللحظة علمت (ديركسون) ما الذي يحصل: كانت هذه عملية اختطاف طائرة أو ما يُسمى بالـHijacking.

ومع تقدم الرجلين نحو مقدمة الطائرة سحب أحدهما دبوس إحدى القنبلتين وأمسك بالمقبض فإذا أرخى قبضته قليلاً يمكنه أن ينفجر هو والقنبلة التي يحملها في يده، بدأ الرجل الذي يحمل القنبلة بركل باب حجرة القيادة إلى أن استجاب له الطيار وقام بفتحه، بعدها قام الخاطف الذي يحمل المسدس بضرب الطيار بكعب مسدسه بكل قوة ثم قام بإعلامه بأن الطائرة قد أصبحت الآن تحت سيطرته، ويجب عليه اتباع أوامره حرفياً وإلا سوف يقوم بتفجير الطائرة وقتل كل من على متنها.

خطف طائرة بيروت 1985

أحد الخاطفين يهدد بإنهاء حياة كل من على الطائرة بما في ذلك الربان – صورة: Nabil Ismail/AFP/Getty Images

كان الخاطفان ينتميان لمنظمة المضطهدين في الأرض التابعة لحزب الله اللبناني، وطلبا أن يتم إيصال الطائرة إلى بيروت عاصمة لبنان، في البداية لم يقبل مهندسو الملاحة الجوية اللبنانية بفكرة أن تهبط هذه الطائرة في مطار بيروت ولكنهم رضخوا لهذا الأمر بعدما شرح وعبّر لهم ربان الطائرة المختطفة مدى جدية هذا الأمر.

حيث قال لهم حرفياً: ”لقد سحب دبوس قنبلة يدوية وهو جاهز لينسف الطائرة بأكملها إذا لزم الأمر، يجب علينا، أنا أكرر، يجب علينا أن نهبط في بيروت“.

خطف طائرة بيروت 1985

أحد الخاطفين وهو يطل من نافذة قمرة قيادة الطائرة – Alain Nogues/Getty Images

كانت لغة الخاطفان الإنجليزية ضعيفة جداً، ولكن أحدهما تحدث بالألمانية بنوع من الطلاقة، ونظراً لأن المضيفة (أولي) قد أمضت طفولتها وترعرعت في ألمانيا فهي لم تجد صعوبة نسبياً في التواصل والتفاهم مع أحد الخاطفين وحاولت إقناعه بضرورة عم إيذاء الطيار ولا المسافرين، كما أنها قد توسلت له طالبةً أن يقوم بإخلاء سبيل النساء المسافرات على متن الطائرة، وعلى الرغم من عدم قبوله بهذا الطلب، فهي نجحت في إقناعه بإطلاق سراح العجزة والأطفال الصغار وتركهم في حال سبيلهم في مدينة بيروت.

جحيم في مطار بيروت في سنة 1985

جحيم في مطار بيروت في سنة 1985.

وبعد أن تمت إعادة تزويد الطائرة بالوقود، طلب الخاطفان من الطيار أن يقود الطائرة إلى العاصمة الجزائرية (الجزائر)، وهناك رفض طاقم المطار الأرضي أن يعيد تعبئة الطائرة مرة أخرى من دون أن يُدفع لهم ثمن الوقود، مما أغضب الخاطفان وجعلهما يهددان بأنهما سوف يقومان بالبدء بعملية قتل الركاب واحداً تلو الآخر إلى أن تُملئ الطائرة بالوقود من جديد، فكرت (ديركسون) سريعاً وعرضت أن يتم استخدام بطاقتها Shell Oil لدفع ثمن الوقود.

وعلى الرغم من أنها قد أنفقت ما قيمته 6,000 دولاراً في عملية التعبئة هذه إلا أنها نجحت في المحافظة على سلامة الركاب جميعاً، حيث لم يتم قتل أي فرد منهم كما كان قد هدد الخاطفان سابقاً.

خطف طائرة بيروت 1985

أحد الخاطفين يطل من باب الطائرة في المطار – صورة: Joel Robine/Getty Images

بعد أن تمت إعادة التعبئة في الجزائر طلب الخاطفان من ربان الطائرة أن يعود بها إلى بيروت ولكن الأمور هنا بدأت تزداد عنفاً، فخلال هذه الرحلة بدأ الخاطفان بانتقاء الأشخاص المسافرين التابعين للجيش الأميركي وضربهم، كان هذا المنظر يستفز المضيفة (ديركسون) مما جعلها تلقي بنفسها في بعض الأحيان أمام الخاطفين متوسلة الرحمة من أجل الأشخاص المضروبين.

طلب الخاطفان بعدها من (ديركسون) أن تقوم بجمع جوازات سفر كل الركاب وأن تدلهم على كل شخص ينتهي اسمه بكنية يهودية، وفعلاً بدأت بعملية جمع الجوازات إلا أنها قامت بإخفاء جواز سفر كل من اعتقدت أن اسمه يدل على يهوديته محافظةً بذلك على سلامة بعض الأشخاص اليهود على متن الرحلة.

وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلتها هذه المضيفة الإنسانية إلّا أنها لم تتمكن من حماية ربان سفينة كان يعمل في القوات البحرية الأميركية اسمه (روبيرت ستيتهام)، حيث قام الخاطفان بضربه خلال رحلة العودة إلى بيروت ضرباً مبرحاً ثم قاما بإطلاق النار على رأسه وعندما هبطت الطائرة على مدرج المطار في بيروت قاما بإلقاء جثته على أرضية المدرّج، وأطلقا الرصاص مجدداً عليها.

القتيل الوحيد على متن الطائرة جندي البحرية الأميركي ”روبيرت ستيثام“ وهو يستعد للغطس خلال فترة خدمته العسكرية البحرية.

القتيل الوحيد على متن الطائرة جندي البحرية الأميركي ”روبيرت ستيثام“ وهو يستعد للغطس خلال فترة خدمته العسكرية البحرية.

تم تسليم 7 من الركاب الذين اعتقد الخاطفان أنهم يهود من الطائرة إلى إحدى المليشيات الشيعية، ثم تم نقلهم إلى أحد السجون السرية في لبنان.

بعد أن صعد على متن هذه الطائرة عشرات المتواطئين مع هذه المنظمة في بيروت طلب الخاطفون مجدداً أن تعود الطائرة إلى الجزائر، ولكن بمجرد ما أن هبطوا هناك للمرة الثانية تم إطلاق سراح (ديركسون) وغالبية المسافرين على متنها، وبعدها ومرة أخرى طلب الخاطفون من الطيار أن يعود بهم إلى بيروت وبدأت هنا المفاوضات من أجل الإفراج عن بقية الرهائن الموجودين على متن الطائرة.

مطالبهم كانت إطلاق سراح 1,000 مواطن لبناني من السجون الإسرائيلية وإدانة دولية لإسرائيل وللولايات المتحدة الأمريكية، في النهاية تم عقد اتفاق ينص على إطلاق 31 سجيناً لبنانياً من سجون إسرائيل.

(أولي ديركسون) تستقبل استقبال الأبطال لدى معرفة الجهود الجبارة والإنسانية التي بذلتها في سبيل إنقاذ الأرواح.

(أولي ديركسون) تستقبل استقبال الأبطال لدى معرفة الجهود الجبارة والإنسانية التي بذلتها في سبيل إنقاذ الأرواح.

بفضل الجهود الجبارة التي بذلتها المضيفة (ديركسون) لم يُقتل سوى شخص واحد فقط، ولكن التقارير الكاذبة التي ادعت أنها قامت بمساعدة الخاطفين في عملية إيجاد اليهود على متن الطائرة أدت لتلقيها رسائلاً وتهديدات بالقتل، وعندما ظهرت الحقيقة الجلية بأنها لم تفعل ذلك بل على العكس قامت بمساعدة اليهود في إخفاء هوياتهم على متن هذه الطائرة، بدأت بتلقي رسائل وتهديدات بالقتل من الأشخاص الذين كانوا يدعمون عملية خطف الطائرة التي تمت من قبل هذين الخاطفين.

في النهاية، انتقلت (ديركسون) إلى ولاية (أريزونا) هرباً من المضايقات التي كانت تتعرض لها، واستمرت بالعمل كمضيفة طيران وحصلت على جائزة القلادة الذهبية للشجاعة من قبل رابطة المحاربين القدامى -التي تكرم الأشخاص ذوي الأعمال البطولية والشجاعة-، وعندما تم اقتياد رئيس الخاطفين محمد علي حمادي للمحاكمة في ألمانيا، شهدت (أولي) ضده أمام لجنة القضاة بكل ثقة.

استفاد حمادي من إطلاق سراح مشروط بعد 19 عاماً من سجنه، وبعدها اختفى نهائياً عن الأنظار ولكنه بقي مطلوباً من مكتب التحقيقات الفيدرالية الأميركي الـFBI.

استمرت (أولي ديركسون) بالعمل كمضيفة طيران إلى أن تم تشخيص إصابتها بالسرطان عام 2003، حيث توفيت بعدها بسنتين، أي في عام 2005.

قصة عظيمة لبطلة شجاعة خاطرت بحياتها من أجل إنقاذ العديد من المدنيين والأطفال الصغار، لا يسعنا في نهاية المقال إلا أن نحييها ونروي قصة بطولتها وإنسانيتها عبر الأجيال.

عدد القراءات: 15٬965