أقصوصة

شعور الموت المخدّر

شعور الموت المخدّر
صورة: Harumi Hironaka

ها أنا أجلسُ أمام طاولة صغيرة بنّية، أحاول الكتابة منذ أشهر عن أيّ موضوع، ولكن لا شيء سوى الأسطر الفارغة والحروف المبعثرة والرسوم البسيطة لوجوه حزينة وسعيدة يملأ الورقة.

أأكتب عن عبثيّة الحياة بتشاؤم أو عن الموت أو عن مشاكل المجتمع اليوميّة؟ لا أعلم؛ فلا شيء يحرّك يدي هذه المرّة، وكأنّها مخدّرة متعبة تأبى الحراك.

شعرتُ بالظمأ، توجّهتُ إلى المطبخ لشرب المياه، نظرتُ إلى يميني، وإذا بسكّين فضيّ إلى جانب إبريق المياه يغريني بالاقتراب منه، حملتُه، تحسّستُه بأطراف أصابعي، لم أشعر بشيء.

وضعته على معصمي وشدّدت بقوة، لم أشعر بشيء أيضاً، لم أشعر بشيء أحمر دافئ يسيل على أصابعي ولا حتّى بالألم.

رميتُ السّكين من يدي وتوجّهتُ إلى الخارج، حاولتُ فتح الباب ولكنّه كان مقفلاً، حاولتُ البحث عن المفتاح ولكن عبث، فأمّي أخفته كالعادة، فهي تخاف علينا كثيراً من الأشرار في الخارج، ويا ليتها تعلم أنّ الأشرار الحقيقيّين يعيشون في داخلنا ويستطيعون التسلّل إلى أيّ مكان مقفل.

فتحتُ البرّاد وأخرجتُ ما وجدتُ أمامي من طعام وبدأتُ بالأكل دون توقّف ودون أن أشعر بالتّخمة، توّقفتُ عن الشّعور بشيء، كأنّني مخدرّة.

تناسيتُ كل الأفكار وعدتُ إلى النّوم لأستيقظ باكراً إلى عمل لا أحبّه. لم أرد الاستيقاظ، لم أستطع إسكات صوت المنّبه، رغبتُ في إسكات كل الأصوات وإمضاء حياتي كلّها في السّرير، رغبتُ لو يتوقف الوقت لفترة.

ولكنّ صوت أمّي ونداءها لي كي لا أتأخّر عن عملي لم يتوقّفا منذ الصّباح الباكر. ارتديتُ ما وجدتُ أمامي من ثياب معلّقة في الخزانة، قبل أن أقبّل أمّي وأذهب إلى العمل.

ما إن وصلتُ حتّى أخذتُ علبة الدّخان وسحبتُ أوّل سيجارة. ها هم بدأوا ينظرون إليّ باستغراب ككلّ مرّة يلمحوني أدّخن، وأوّل سؤال يسألوني إيّاه: ”بيعرفو أهلك إنّو بتدّخني؟ هلقد عندك هموم لتدّخني؟“ ما لا يعلمونه أنّي قطعتُ وعداً على أهلي للمرّة التّاسعة بالتّوقف عن التدخين، خوفاً منهم على صحّتي أو ربما هي العاشرة لا أدري، لا أدري ما هي تلك الهموم التي يسألوني عنها ويُفترض بها أن تبرّر لي التّدخين أمامهم، أهي العائلة والأولاد ومصاريفهم أو ديون المصارف والمدارس؟ ما هي تلك الهموم التي قد تُثقل كاهل فتاة شابّة بنظرهم؟

لا أعلم… أطفأتُ السيجارة ولا يزال الجميع ينظر إليّ باستغراب، أومأتُ برأسي، ابتسمتُ قليلاً وذهبتُ لإكمال عملي..

عدد القراءات: 494

تدقيق لغوي: عباس حاج حسن.