تطور

القرد في داخلنا… (5 مفاهيم قد تغير نظرتك للحياة)

صور شيمبانزي

يتوجه اليوم علماء النفس نحو العلوم التطورية أكثر من أي فترة مضت، وذلك على الرغم من معارضة الكثيرين بسب الخلفيات الدينية. ويذكر العلماء أن صورة داروين ”رمزيًا“ ستجتاح كل مكتب وعيادة ومستشفى ومركز بحوث حول العلوم النفسية الإنسانية.

من نحن؟ كيف نفكر؟ ما هو مصدر الأخلاق؟ لماذا نساعد الآخرين؟ لماذا نكره الغش؟ ما هو مصدر الشعور في داخلنا؟ يسلّط هذا المقال الضوء على الكثير من المواضيع عبر عدة أمثلة من السلوك الحيواني الذي يفسّر الكثير من تصرفاتنا.

العدل

قام فريق العالم فرانس دي وال المختص في السلوك الحيواني بوضع قردين من الكابوشن Capuchin جنبًا إلى جنب في قفصين منفصلين. ثم قدّم لكل قرد عملًا بسيطًا، وفي حال قام القرد به تتم مكافأته بقطعة خيار. تمت العملية لـ25 مرة دون أيّة مشاكل من قبل القردَين، فالاثنان قاما بالعمل وتم تقديم الخيار لهما كمكافأة. أما الآن فتم تغيير المعطيات قليلًا، فبدلًا من إعطاء أحد القرود الخيار تم إعطاؤه قطعة عنب، أما القرد الآخر فظل يُعطى الخيار. ماذا تتوقع أن يحدث؟ ما حدث بالفعل هو أن القرد الذي حصل على الخيار لم يعجبه الوضع الجديد، فرمى قطع الخيار على الباحث ورفض القيام بأي عمل مع إصدار أصوات وضرب على جدران القفص تعبيرًا عن غضبه.

الخيار بدا له جيدًا في البداية… فما الذي تغير؟

نعم، فالقرد شعر باللامساواة، وهذه صفة تطوريّة تضمن للكائن الاستمرارية عبر تأكيد حصوله على كمية كافية ومشابهة للمجتمع الذي يعيش فيه. فعدم حصول القرد على حصته كباقي المجموعة  يوثّر على حياته وجيناته. وقد تطوّر هذا الشعور  عند الثدييات لملايين السنين حتى وصل في نهاية المطاف إلى الثدييات الحالية ومنها الإنسان.

الكذب

على الرغم من أننا نعتبر الكذب صفةً سيئةً جدًا، إلا أننا لا نستطيع إنكار أثرها التطوري على استمرار الكثير من الكائنات. قد تسأل كيف للكذب أن ينقذ حياة كائن؟

يتطلب الكذب عمليةً دماغيةً معقدةً، فالحيوانات ذات الدماغ الصغير لا تمتلك تلك القدرات، لذا تطوّر الكذب مع تطور المجتمع القبلي والاجتماعي عند الحيوانات. فلنأخذ قبيلة قرود على سبيل المثال: في القبيلة، تتفق جميع القرود على عدة أمور أساسية، كمشاركة الطعام وإصدار أصوات تحذيرية عند اقتراب خطر ما. فأين دور الكذب؟ يقوم أحد القرود بإيجاد بيضة تحت الرمل بجانب الماء كانت قد دفنتها إحدى الزواحف. كان يمكنه مشاركتها مع الآخرين، إلا أن هذا لن يعود عليه بمنفعة شخصية كبيرة.

لذلك، يقوم هذا القرد بإصدار أصوات تحذيرية كاذبة، فتهرب كل القرود، ويختلي القرد مع البيضة التي رصدها سابقًا، مما وفر له الوحدات الحرارية اليومية وكذلك زاد فرصة استمراره واستمرار جيناته عبر عمليات تزاوجية مستقبلية.

التعاطف

قبل تجريم الأبحاث التي تحدث ضررًا ووجعًا نفسيًا وعضويًا على الشمبانزي، قام أحد مراكز الأبحاث بوضع اثنين من قردة الشمبانزي في قفصين مجاورين، ومن ثم وُضع زر داخل أحد القفصين. وعند الضغط على الزر، يُقدّم الطعام إلى الشمبانزي، ولكن في المقابل يتم صعق الشمبانزي المجاور بالكهرباء. عندما أدرك الشمبانزي الأول أن الضغط على الزر يسبب الألم لجاره، توقف عن ضغط الزر، فبقي دون طعام لمدة وصلت لـ12 يومًا؛ إذ اختار الجوع القاتل على تسبيب الضرر لجاره.

لا يوجد فيديو للإختبار لأنه قديم جدًا، لكن هذا الفيديو يظهر العطف عند أقربائنا.

التعاون

على مدى سنوات، قام العلماء باختيار التعاون بين الحيوانات وخاصة القرود العليا. في دراسة للتعاون عند الشمبانزي، تم وضع صندوق مربوط بحبل في مكان لا يمكن أن تصل إليه الأذرع من خلف القضبان. الصندوق مليء بالطعام ولكنه ثقيل لدرجة أنه يحتاج إلى تعاون اثنين من الشمبانزي لشده. يتطلب التعاون فهم المشكلة والتنسيق بين الاثنين للحصول على الطعام، وبالطبع استطاعت القرود التنسيق  وشد الحبل سويةً وجلب الصندوق لمتناولها.

لزيادة الصعوبات، قام الباحثون بإطعام أحد القردين. وعلى الرغم من ذلك ومع تحفيز صغير من القرد الجائع، قام الاثنان بالتعاون – فالتعاون هنا كان هدف المساعدة البحتة، إذ يعرف القرد مفهوم رد الجميل وأن القرد الجائع سيساعد في مرة لاحقة.

التعاون من أبرز الصفات التي تؤمّن الاستمرارية للمجموعة. فالشمبانزي تعمل بمبدأ الـtic for tac ..”حكّلي ت حكّلك“… ساعدني وسوف أساعدك لنؤمّن استمراريتنا سويةً، فالكذب جيد في أوقات محددة فقط، والتعاون هو الصفة الرئيسية عند القرود العليا.

تودد الزعماء إلى الأطفال

قبل كل عملية انتخابية، عادةً ما تجد المرشحين لرئاسة أي منصب بشكل عام يداعبون الأطفال ويتصورون معهم أمام عدسات الصحفيين، وعادةً ما يتم تسليط الضوء على هذه الصور في الحملات الدعائية الانتخابية. في الواقع، تفعل قردة الشمبانزي هذه التصرفات عند محاولة ترؤّس القبيلة، لذا تقوم بالتودد إلى النساء وملاعبة أطفالهم ليظهروا بشكل المهتمين لأمورهم حتى يكسبوا تأييدهم في الوصول إلى السلطة.

هذه مجموعة صغيرة جدًا عن أصل الصفات الموروثة من تطور الثدييات. ولا تزال تعيش هذه الصفات حالة تطور مستمرة، سواء على الصعيد العضوي الدماغي أو التطور الاجتماعي المكتسب.

عدد القراءات: 20٬726

تدقيق لغوي: راجي كيروز.