معلومات عامة

هل يعيش العالم حالة حرب اليوم؟ ولماذا؟

هل يعيش العالم حالة سلام؟

حاول تذكر أهم العناوين الأخبارية في السنوات الماضية، على الأرجح أن الذي سيخطر ببالك هو الحرب الأهلية السورية وتنظيم الدولة الإسلامية، وربما الحرب في اليمن والصراعات في ليبيا وحتى احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم، والتهديدات المستمرة لكوريا الشمالية واختباراتها المتكررة على الصواريخ النووية بعيدة المدى والعابرة للقارات.

وفي حال قررت أن تنظر للخلف قليلاً سترى سلسلة من الحروب الأخرى، مثل حرب العراق وأفغانستان وقبلهما حرب الخليج والحرب العراقية الإيرانية وحرب فيتنام والحرب الكورية وصولاً إلى الحرب العالمية الثانية، ومن حيث المبدأ فالقرن الماضي بأكمله كان سلسلة من الحروب المتكررة والمتلاحقة من مكان لآخر، بحيث لا تكاد تنتهي حرب لتبدأ أخرى.

لكن على الرغم من كل هذه الصراعات والنزاعات والملايين من القتلى والنازحين؛ فالعالم اليوم ربما يعيش أطول فترة من ”السلام“ في تاريخه، سيبدو هكذا قول بعيداً جداً عن الواقع بالأخص لشخص مثلي يعيش في سوريا حيث لا تزال الحرب قائمة منذ سنوات ولا تبدو أنها قريبة من النهاية حتى.

بالطبع فمن منظور محلي أو حتى بالنظر للشرق الأوسط فربما القرن الماضي هو أكثر القرون حروباً في تاريخه منذ الحملات الصليبية، لكن على نطاق عالمي الأمور مختلفة والعالم اليوم يعيش سلاماً هو الأطول في تاريخه الحديث.

لماذا تعتبر الفترة الأخيرة سلمية نسبياً؟

خريطة الصراعات

عند النظر إلى خريطة الصراعات الفعالة اليوم وبشكل عالمي، تبدو الأمور وكأنها في أسوأ درجة ممكنة، لكن على الرغم من العديد من النزاعات المسلحة المشتعلة في كل مكان فهذه الحقبة أكثر سلاماً بكثير من الماضي – ترجمة الصورة: موقع روزانا

حالياً وحول العالم هناك عدة نزاعات وحروب لا تزال نشطة فعلياً، أبرزها سوريا والعراق واليمن بالإضافة للمكسيك والحرب بين الحكومة والجريمة المنظمة وعصابات المخدرات، لكن مع أن كلاً من هذه الحروب تعد مدمرة إلى حد بعيد ومن يعيشون تحت ظلها ربما يعتبرون القول بكون العالم مسالماً اليوم إهانة لمعاناتهم، فكل من هذه الحروب تعد صغيرة جداً بمقياس تاريخي ولا تقارن حتى بنزاعات حديثة نسبياً مثل حرب فيتنام والحرب الكورية والحرب العالمية الثانية، والتي خلفت كل منها ملايين القتلى ودمرت بلداناً بأكملها.

معظم الحروب الجارية اليوم (باستثناء حرب اليمن) هي صراعات داخلية وحروب أهلية، وبالطبع فهي سيئة جداً لكنها على الرغم من سوئها لا تسمح بوصول الأمر لحالة الحروب بين الدول التي تتضمن عدد ضحايا محتملين أكبر وتسخير كامل الموارد تقريباً للحرب فقط، عدا عن اشتراك عدد دول كبير فيها عادة وبشكل فعال.

بالنظر للعدد الإجمالي السنوي لضحايا الحروب منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن يظهر انخفاضاً حقيقياً لكنه لا يعكس الصورة بأكملها، فمع أن عدد الضحايا الإجمالي قد انخفض فنسبة الضحايا لعدد البشر انخفضت بشكل أكبر بكثير، والسبب في كون الانخفاض في النسبة أكبر هو كون تعداد البشر قد تضاعف 3 مرات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

على الصعيد العالمي، آخر حرب كبرى حقاً خاضها العالم انتهت عام 1945، وتبع ذلك عشرات الحروب الصغيرة بين البلدان بالأخص في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا عدا عن العديد من الحروب الأهلية، لكن جميع هذه الحروب معاً وعل الرغم من كونها سيئة للغاية لم تصل إلى مستوىً عالمي أو تغير خريطة العالم بشكل حقيقي كما القرون السابقة، الأمر بالطبع يعود لأسباب عديدة حدت منها وأوقفت وجود حرب عالمية ثالثة، والهدف الأساسي من كتابتي للمقال هو محاولة ذكر بعض من الأسباب التي أدت لتحول العالم إلى الاستقرار بدلاً من الحرب.

أسباب السلام العالمي

1. أسلحة الدمار الشامل:

على الرغم من سمعتها السيئة والكره العالمي لها بسبب قوتها التدميرية الكبيرة، فقد حال انتشار الأسلحة النووية دون اشتعال العديد من الصراعات والحروب الكبيرة التي كان من الممكن أن تترك ملايين الضحايا.

ربما يبدو من الساذج وضع الأسلحة كسبب للاستقرار بدلاً من الحرب، فعلى مر العصور دائماً ما كانت التطورات في التسليح عوامل أساسية في انتشار الحروب بشكل أكبر وأكبر، لكن على عكس أي حقبة أخرى فالأسلحة اليوم وصلت إلى مستوى أكبر مما كان من الممكن أن نتخيله حتى قبل قرن من الزمن، فهي لم تعد تحتاج التضحية بالجنود أو العتاد حتى لإحداث ضرر كبير بل بات الأمر ممكناً بالضغط على أزرار فقط بالنسبة للدول التي تمتلك الأسلحة النووية.

في السابق، كان اختراع البنادق مثلاً ومن ثم تطويرها واختراع المدافع والدبابات والطائرات الحربية عوامل تفوّق أساسية تسمح للدول بالتغلب على أعدائها أو احتلال أراضي وأقاليم إضافية، لكن بالوصول لانتشار الأسلحة النووية خلال الخمسينيات أصبح الأمر أكثر تعقيداً مع كون القوى العظمى حينها -وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وفرنسا وبريطانيا- تمتلك ترسانة تجعلها قادرة على تدمير المدن الكبرى للأطراف الأخرى حتى ولو تعرضت للهجوم أولاً، خصوصاً مع تطور التقنيات الرادارية والصواريخ العابرة للقارات التي من الممكن أن يتم إطلاقها تلقائياً دون تدخل بشري تجاه أهداف محددة مسبقاً.

منذ الخمسينيات تقريباً حتى الآن كانت الأسلحة النووية القادرة على إنهاء البشرية العامل الأساسي بإبقاء الحرب الباردة باردة، فكل من حرب فيتنام وغزو السوفييت لأفغانستان وأزمة الصواريخ الكوبية وغيرها كان من الممكن أن تكون شعلة الحرب العالمية الثالثة، لولا أن المعسكر الغربي والاتحاد السوفييتي كانا مدركين أن إشعال الحرب يعني فنائهما بشكل لا مفر منه ولا يمكن إيقافه، رفع هذا الأمر عدد الحروب بالوكالة والتدخلات في الحروب الأهلية (وهو أمر مستمر إلى الآن)، إلا أنه منع قيام حروب كبيرة جداً.

2. انتشار الديموقراطية:

الديموقراطية في العالم

تُظهر الخريطة أنواع الحكومات الموجودة في العالم اليوم مع كونها تتراوح من الأوتوقراطية السلطوية باللون الأحمر إلى الديموقراطية باللون الأخضر، وفي الأسفل يمكن ملاحظة تغير أنواع الحكومات عبر الزمن من مطلع القرن التاسع عشر.

من الصعب إعطاء مثال عن ديموقراطية مثالية في العالم كونها غير موجودة أصلاً، لكن على خط حدّاهُ هما الشمولية التامة أو الحكم الكامل للشعب، فالقرن الأخير حمل معه انتقالاً كبيراً نحو الحكم الشعبي في الكثير من الأماكن في العالم.

بالطبع فالدكتاتوريات والأنظمة الشمولية والعسكرية لا تزال موجودة في كل مكان، لكن نسبة كبيرة من البلدان باتت ديموقراطية نسبياً بحيث أن رأي الشارع له تأثير حقيقي على السياسة كَبرَ أو صغُر، على عكس الفترة السابقة للحرب العالمية الثانية حين كانت سلطة الحكومات أكبر بكثير من اليوم.

قلل انتشار الديموقراطية في البلدان بشكل كبير من احتمال دخولها في الحروب مع بعضها البعض أو مع البلدان الدكتاتورية حتى، فعلى العموم؛ لا يفضل غالبية الناس الدخول في الحروب بسبب تأثيراتها السيئة جداً على الاقتصاد والمعيشة وأثرها المدمر على الحياة عموماً، ومع كون الشعوب باتت تمتلك تأثيراً أكبر فقرارات الحكومات باتت مجبرة على إرضاء الشعب للاستمرار بالحكم مما صعب قرارات الحرب بشكل كبير جداً.

3. انتهاء العهد الاستعماري وثبات حدود البلدان:

جميع المناطق ذات اللون الوردي كانت تتبع في مرحلة من المراحل على الأقل للإمبراطورية البريطانية

جميع المناطق ذات اللون الوردي كانت تتبع في مرحلة من المراحل على الأقل للإمبراطورية البريطانية التي كانت ”لا تغيب عنها الشمس“ بحق.

خلال الفترة الممتدة بين القرنين السادس والتاسع عشر كانت الامبراطوريات الأوروبية تمتلك عشرات المستعمرات حول العالم وتسيطر على جزء كبير من الأراضي، سواء إسبانياً التي احتلت معظم أمريكا الجنوبية والوسطى أو فرنسا التي احتلت أجزاء كبرى من أفريقيا أو المملكة المتحدة التي وسعت مستعمراتها في آسيا بشكل كبير جداً. \

هذه النزعات الاستعمارية كانت محرضاً أساسياً للحروب، فالحرب من الممكن أن تحقق توسعاً في الأقاليم المحكومة وبالتالي المزيد من الثروة والقوة الاقتصادية والهيمنة، لكن القرن العشرين غير الأمور إلى حد بعيد من هذه الناحية.

بعد الحرب العالمية الثانية خسرت البلدان الأوروبية مستعمراتها بشكل متلاحق، وبالوصول إلى السبعينيات لم يكن قد تبقى سوى بضعة جزر صغيرة إما غير مأهولة أو قليلة السكان نسبياً كمستعمرات، هذا الأمر أزال فكرة الحروب التوسعية من أوروبا، وبالنسبة للمستعمرات السابقة فقد كانت أضعف من أن تخوض حروباً توسعية بنفسها وغالباً ما كانت مشغولة بالصراعات المحلية والحروب الأهلية عن محاولة التوسع والتمدد أكثر، مما جعل الحدود ثابتة إلى حد بعيد (باستثناء حالة انهيار الاتحاد السوفييتي بالطبع).

ترك انتهاء الاستعمار العديد من البلدان ذات التركيبات غير المتجانسة والحدود المرسومة بشكل يبدو عشوائياً حتى، وهو ما تسبب بحروب أهلية كثيرة في المستعمرات السابقة، لكن فيما يخص ثبات الحدود وعدم التوسع فعدا عن حالات خاصة مثل احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم أو احتلال إسرائيل للجولان، ومؤقتاً لسيناء، بقيت الحدود على حالها وتوقفت فكرة الحرب لأجل الموارد المالية.

4. نمو التجارة العالمية والعولمة:

في العصر الحالي، بات العالم مدركاً لكون العلاقات التجارية القوية مع البلدان الأخرى ذو جدوى اقتصادية وفائدة أكثر بكثير من غزوها ومحاولة نهب الموارد عنوة.

عبر التاريخ، كان الربح المالي والنمو الاقتصادي هو العامل الأساسي لقيام الحروب بين الدول، فالحروب كانت مربحة بشكل كبير للمنتصرين فيها، فهم يجنون المزيد من الأراضي والموارد والأسواق للتجارة بالإضافة للسيطرة على ثروات الأماكن المحتلة ونهب كل ما يمكن نهبه، فلولا الأرباح لما كانت أي من الامبراطوريات القديمة فكرت بالتمدد حتى، ولما كانت الامبراطوريات الأوروبية قامت باستعمار أجزاء كبيرة من العالم كذلك.

حالياً بات هناك أساليب أفضل لتحقيق الأرباح والنمو الاقتصادي من الغزو، فشراء المنتجات جاهزة من الصين مثلاً أرخص بالنسبة للدول الكبرى من نقل المواد الخام (حتى لو حصلوا عليها مجاناً) وتصنيعها بشكل محلي، وهذا ما جعل التجارة والصناعة تنمو بشكل متزايد مع الوقت مفيدة الدول الكبرى من ناحية بتأمين بضائع رخيصة، ومفيدة حتى للدول المصنعة بتأمين فرص عمل وقوة اقتصادية تسمح بتطوير البنى التحتية، فالصين مثلاً حققت نمواً هائلاً خلال العقود الماضية سمح لها بالوصول إلى المرتبة الثانية في قائمة الاقتصادات الأكبر عالمياً معتمدة بالدرجة الأولى على الصناعات، التي ما كانت لتوجد فيها لولا التقنيات الغربية.

بمتابعة الحروب الأخيرة التي حدثت على مدار العقود الماضية، فأي منها قامت بين دول ذات اقتصادات قوية أو ذات علاقات تجارية مع باقي الدول، ومعظم هذه الحروب حتى الأهلية منها عادة ما تقوم في بلدان إما متخلفة للغاية عن التقدم التقني والاقتصادي، أو أنها محكومة بأنظمة شمولية منغلقة تعيق التجارة والتعاملات المالية مع محيطها.

بإضافة انتشار الإعلام العالمي وحتى التواصل الاجتماعي فقد باتت الشعوب أكثر إدراكاً للثقافات المختلفة عنها، ومع أن هناك العديد من الأحقاد القومية والدولية التي لا تزال موجودة، فهي أقل من أي وقت مضى.

هل حالة السلام الحالية مؤقتة أم أنها دائمة؟

الإجابة على هذا السؤال صعبة للغاية في الواقع، فعلى الرغم من أن العديد من المؤشرات تشير إلى كوننا نتجه إلى عالم مستقر ومتناغم أكثر من الماضي، فهذا الأمر قد يتغير لاحقاً مع وجود العديد من الصراعات التي لا تزال حية اليوم.

ومع أن الأسلحة النووية كانت صمام أمان من تحول الحرب الباردة إلى حرب عالمية ثالثة، فالأمر لا ينطبق على ذلك بوجود حكومات متطرفة أو متهورة كفاية لأن تعتبر استخدام السلاح النووي -ولو عنى ذلك نهاية العالم- أمراً منطقياً، وربما الأمثلة الأفضل على ذلك هي كوريا الشمالية والتوتر النووي المستمر بين الهند وباكستان، بالإضافة لصراعات الشرق الأوسط التي لا يبدو أنها ستنتهي في أي وقت قريب.

حالياً آخر حرب كبرى كانت منذ أكثر بقليل من 70 سنة، وهذه المدة على الرغم من كونها طويلة بمعايير حياة البشر فهي غير كافية لتحديد كوننا نسير حقاً باتجاه السلام، وعلى الأرجح أن الأمر لن يكون أكيداً حقاً قبل عدة عقود قادمة إما تثبت كوننا في فترة مسالمة حقاً، أو تشعل حرباً عالمية ثالثة تنتهي سريعاً وتقضي على معظم البشر في طريقها.

عدد القراءات: 1٬575