علوم

هل سبق لك أن قرأت قصة وأحسست بالتعاطف مع أبطالها؟ إليك السبب…

قراءة روايات
صورة لـ Simon Woodward من فليكر

لطالما كنت ذلك الشخص الغريب الأطوار الذي يظل قابعا في الزاوية يقرأ الروايات و يتحدث عن الشخصيات كما لو كانت حقيقية، أتذكر أنني عندما كنت في سن الثامنة أو التاسعة، بقيت مستيقظا طوال الليل لإنهاء رواية ”جسر الى تيرابيثا“ وعندما أتممتها لم أتمالك نفسي و أجهشت بالبكاء لدرجة أن أمي هرعت لتهدئتي.

”لقد كنت فقط انسانيا“، هكذا علق ”كيث أوتلاي“ عندما حكيت له هذه القصة.

أوتلاي يعرف تماما عما يتحدث، فهو متخصص في علم النفس المعرفي بجامعة تورنتو، وهو أيضا روائي وكاتب في مجلة ”اتجاهات في علوم المعرفة“ وباحث في موضوع التأثير النفسي للروايات على الأفراد، وقد خلصت نتائج أبحاثه الى أن للقصص تأثيرا على القراء حيث أنها تجعلهم أكثر قدرة على التعاطف مع الغير.

يقول أوتلاي:

عندما نقرأ عن الاخرين نتمكن من تخيل أنفسنا في وضعياتهم و نتمكن من تخيل أنفسنا مكانهم ، وهذا يمكننا من فهم أفضل للغير و قدرة أفضل على التعاون معهم.

في سنة 2006، قام بعمل دراسة حول العلاقة بين قراءة الروايات والقدرة على التعاطف. في البداية تم اختبار قدرة المشاركين على التعرف على أسماء المؤلفين وذلك لمعرفة نوع وكمية الكتب التي قرأوها، ثم بعد ذلك تم قياس مؤشر التفاعلات الشخصية من خلال محاولة المشاركين ربط صور لأبطال الروايات بالشعور المحتمل لهم. وكانت النتيجة أن المشاركين الذين قرأوا أكبر عدد من القصص تمكنوا من تحقيق أعلى نتيجة في هذه الإختبارات.

empathy-1

صورة لـ Alice Gould من فليكر

هناك تجارب أخرى مماثلة مثل التي نشرها ”جاملجان هاكيمولدير“ الباحث في جامعة أوترخت بالمانيا سنة 2000 في كتابه ”مختبر الاخلاق“، والتي أظهرت تأثير القراءة على السلوك الاجتماعي، وكذا البحث الذي نشرته الجمعية الامريكية لعلم النفس في دوريتها سنة 2013، والذي بين أن تخيل الأحداث أثناء القراءة يعزز القدرة على التفاعل وعلى تحسين السلوك الاجتماعي.

عالم النفس ”رايمون مار“ والذي نشر بحثا سنة 2006 بالتعاون مع أوتلاي، أوضح أن هناك مناطق في الدماغ يمكن رصد نشاطها بالرنين المغناطيسي تنشط عند قراءة القصص أو مشاهدة الدراما، لأننا نكون تحت تأثير أفكار ومشاعر الاخرين وتسمى هذه الظاهرة بـ”التعقلية – mentalizing“.

في سنة 2013 نشرت مجلة ”صاينس – Science“ دراسة تؤكد أن تأثير القراءة يختلف حسب نوع الكتب المقروءة، فقراءة الأدب المتخيل يعزز القدرات المعروفة تحت اسم (نظرية العقل Theory of Mind)، هذه القدرات تجعل الدماغ قادرا على تخيل ما يروج في بال شخص آخر، فالأدب المتخيل حسب نفس الدراسة يركز على الحياة الداخلية للشخصيات، ما يجعل القراء قادرين على الغوص داخل عقول هذه الشخصيات.

نفس النتيجة توصلت إليها دراسة أعدت سنة 2014، أكدت أن الأشخاص الذين قرأوا رواية بطلتها امرأة امريكية مسلمة جعلتهم يقومون بافتراضات عنصرية أقل من الأشخاص الذين قرأوا فقط ملخصا لنفس الرواية، ما يؤكد أن طريقة الحكي في الأدب المتخيل هو بنفس أهمية مضمون القصة نفسه.

امرأة منقبة

امرأة منقبة

يشبّه أوتلاي القراءة بمحاكاة الطيران فهي تجعلك تعيش الكثير من المواقف في مدة زمنية محددة دون انتظار أن تعيشها جميعها في الحياة الواقعية، فالكتب هي محاكاة للحياة وهي تمكننا من رؤية أنفسنا في حياة الأخرين. يقول:

في الحقيقة، الفن هو محاكاة، فنحن عندما نقرأ نتحول الى أنا كارنينا أو هاري بوتر… نحن نتمكن من فهمهم من الداخل.

يختم أوتلاي بإظهار أهمية هذا الأمر، فهو يساعد على جعلنا أكثر إنسانية، نحن كائنات اجتماعية وثقافتنا تتمحور أساسا حول القدرة على فهم الاخرين، فمراسيم الجنازة و الفن والأدب و التلفزيون كلها محاولات للتكيف ، تعطينا القدرة على سبر أغوار أذهان الاخرين، وبدون هذه القدرة لا يمكننا كبشر أن نتعاون، ويمكن أن نقول إجمالا أن هذا هو جوهر الإنسانية.

هذا المقال مترجم من المصدر.

عدد القراءات: 2٬574