اجتماعيات

لماذا قد أرى فوز ترامب كشيء إيجابي؟

فوز ترامب

كل أربعة أعوام يتكرر حدث مهم يشغل الناس حول العالم ويفرق العديدين في وجهات نظرهم، أنا لا أتحدث عن كأس العالم هنا، بل عن الانتخابات الأمريكية التي تتميز بحملاتها الانتخابية الطويلة جداً والتي عادة ما تكون مليئة بالدراما والقصص المثيرة للاهتمام، عدا عن كونها انتخابات رئاسة الدولة المهيمنة الأولى في العالم.

مع انتهاء الولاية الثانية للرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، فمقعد الرئاسة الأمريكية يشهد معركة ضارية جداً ربما تكون الأعنف في التاريخ المذكور بين الحزبين الأكبر في الولايات المتحدة: الحزب الديموقراطي ومرشحته هيلاري كلينتون (زوجة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون) والحزب الجمهوري ومرشحه دونالد ترامب.

السبب الأساسي في كون هذه الانتخابات هي الأكثر ضجة منذ زمن بعيد هو وجود ”ترامب“ كمرشح جدي (وذي فرصة حقيقية بالفوز) في الانتخابات. فمرشح الحزب الجمهوري لا يشابه أحداً سواه (باستثناء شبه طفيف مع الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان) فعنصريته المفرطة ومواقفه المتقلبة والغريبة وطريقة تعبيره التي لا تخلو من الشتائم والآراء الصادمة تجعل وجوده كمرشح أشبه بمزحة ثقيلة الظل عند مقارنة تصرفاته مع تصرفات أقل أثراً بكثير منها كانت كافية لإخراج مرشحين من السباق الرئاسي في الانتخابات السابقة.

يواجه العديد من الأمريكيين اليوم خياراً صعباً بين مرشحين يبدو أحلاهما مراً، فـ”هيلاري“ تملك سجلاً حافلاً بالتناقضات في المواقف وتغيير الرأي وفق التيار، بالإضافة لتورطها في قضايا تخص حرب العراق والسياسة الخارجية الأمريكية بخصوص سوريا وتدخل الولايات المتحدة في ليبيا، بالإضافة لقضايا فساد في مؤسستها الخيرية وتحقيقات أمنية من قبل الـFBI فيما يخص فضائح نشر بريد إلكتروني عائد لها في فترة توليها مناصب حكومية عليا. الخيار المقابل أشبه ما يكون بالمهرج بكل معنى الكلمة، فهو يدلي بتصريحات عنصرية تبدأ من بناء جدار يفصل الولايات المتحدة عن الجارة المكسيك لأن ”العديد من اللاتينيين مجرمون ومغتصبون“ ولا تنتهي بمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة. بالإضافة لذلك فترامب معروف بـ”حروب تويتر“ التي يخوضها ضد العديد من الشخصيات مستخدماً ألفاظاً نابية وطريقة كلام أشبه ما تكون بـ”حكي الكراجات“ وربما أشهرها هي هجمته الغريبة والغير مبررة على الكوميدي الشهير Jon Stewart المقدم السابق لبرنامج The Daily Show.

لو كنت أمريكياً

لو أنني اليوم مواطن امريكي، لكان رأيي محسوماً بالتصويت لكلينتون! بالطبع فذلك ليس حباً بها قطعاً، لكن لمنع معتوه مثل ترامب من الوصول إلى مقعد الرجل الأعلى سلطة في العالم بأسره، فلو كنت أمريكياً لما رغيت بخراب بلادي بما يهدد مجتمعي ومصالحي.

لكن كوني لست أمريكياً، فالأمر يختلف بشدة! فمصالح الأمريكي ستكون أمان بلده بالدرجة الأولى بطبيعة الحال وهذا الأمان مهدد بشدة بوجود شخص مثل ترامب في كرسي الرئاسة. أما مصالحي أنا—كمواطن لدولة شرق أوسطية ومقيم في الشرق الأوسط—فقد تختلف بشدة عن الأمريكي.

كشرق أوسطي، من أفضل لي؟

فوز ترامب

خلال الأسابيع الماضية، خُضت عدة نقاشات مع أصدقاء ومعارف من محيطي حول المرشح الرئاسي الأمريكي الذي سيكون الأفضل لنا—لا للأمريكيين—، وبطبيعة الحال كان هناك عدة اختلافات بوجهات النظر بيني وبين من ناقشتهم.

رأيي الشخصي في السياق كان أن كلينتون على سوئها هي الأفضل لنا، فمع اعتراضي الكبير على السياسات الأمريكية وبالأخص الخارجية منها، فالولايات المتحدة لعبت وما تزال تلعب دوراً كبيراً في استمرار الحرب الطاحنة التي تعصف ببلدي الذي أعيش فيه، يبقى هذا الموقف مألوفاً على الأقل مقابل احتمالات لا منتهية قد تخطر ببال شخص نرجسي ومزاجي مثل ترامب.

بالمقابل، كان رأي أحد الأصدقاء مخالفاً لرأيي، فمع اتفاقنا على كون ترامب شخصاً نرجسياً ومتقلباً بشكل قد يودي بالعالم إلى كوارث؛ فوجهة نظره كانت منطقية تماماً. فالوضع في الولايات المتحدة الأمريكية مختلف عما هو في المنطقة العربية مثلاً، فالرئيس هناك لا يملك صلاحيات بلا حدود، والقرارات المهمة والتشريع لا تحدث دون موافقة مجلس الشيوخ مثلاً مما يجعل الرئيس الأمريكي مجبراً على التقيد بكثير من الأمور ويمنعه من تشكيل دكتاتورية فاشية. على أي حال فالصلاحيات الممنوحة للرئيس الامريكي كافية لتغيير العديد من الإشياء، وفي حال فوز ترامب فهذه التغييرات التي سيقوم بها قد تلعب دوراً كبيراً في تحريك الامور في الولايات المتحدة وسواها، وربما ترفع وعي الناس تجاه ضرورة وجود الديموقراطية الاشتراكية/الاجتماعية (Social Democracy) أو على الأقل ستسبب ضرراً كافيا للولايات المتحدة يبعدها عن كونها القطب الوحيد في العالم ويرخي قبضة نفوذها الرأسمالي عن باقي بقاع العالم.

الخلاف هنا يأتي عند نقطة تفضيل الاستقرار أو المقامرة، فانتخاب كلينتون يعني استقراراً نسبياً على وضع سيء للغاية، أما انتخاب ترامب فهو مقامرة قد تأتي بنتائج إيجابية للجميع (إلا الولايات المتحدة على الأقل على المدى القريب) أو أنه قد يبدأ فوضى عالمية وربما حتى أزمات اقتصادية قد تودي بالنظام الاقتصادي العالمي إلى الهاوية ومعه عشرات ملايين الوظائف وربما الأرواح حتى. فبينما أفضل الاستقرار السيء شخصياً، يبقى احتمال إتيان شيء جيد كنتيجة لهذه الانتخابات يداعب الخيال ويضعني في موقف لا أعرف فيه ماذا أتمنى أن تكون نتيجة هذه الانتخابات المجنونة. فالآن بعد فوز ترامب بالرئاسة، هناك الكثير من الأشياء التي ستتغير، ربما للأفضل وربما للأسوأ، وليس بيدنا إلا أن نراقب ونتمنى!

في النهاية، ربما تكون الولايات المتحدة على بعد ألاف الأميال، لكن ما يحدث فيها في الفترة المقبلة مؤثر على سكان الشرق الأوسط خصوصاً أكثر من تأثير أي انتخابات محلية.

عدد القراءات: 9٬448